منتدى التنمية الخليجي.. تميز وتناقض

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ١٥/فبراير/٢٠١٧ ٠٤:٠٥ ص
منتدى التنمية الخليجي.. تميز وتناقض

فريد أحمد حسن
من الأمور اللافتة في اجتماع منتدى التنمية الخليجي السابع والثلاثين الذي عقد في المنامة الأسبوع الفائت، واهتمت الصحف بتغطيته أنه خصص الجلسة الثانية والنهائية للأعضاء فقط ومنع حضور الإعلام وهو ما يعني أنها كانت جلسة سرية، بينما تحدث بعض المشاركين فيه للصحافة عن أهمية حرية تداول المعلومات وقالوا «إنها تنعكس إيجابا على التنمية الخليجية» وطالبوا الحكومات الخليجية «بعدم حجب أي موقع من مواقع التواصل الإلكتروني وتوفير المعلومات للجميع مثلما هو حاصل في الدول المتقدمة». تناقض يحتاج إلى توضيح من قبل المعنيين في المنتدى الذي يضم نخبة من المثقفين والمفكرين الخليجيين، إذ كيف يطالبون الحكومات الخليجية بالشفافية وتوفير كل المعلومات ويمنعون الإعلاميين من حضور الجلسة الختامية لمنتدى يناقش مواضيع تهم الشعوب الخليجية ولا يخرج إلا بتوصيات وأمنيات؟ أيضا كيف لهم أن يناقشوا موضوع «تقنيات الاتصال والمعلومات والتنمية في دول الخليج» ويتحفظون على نقل ما يدور في الاجتماع عبر هذه الوسائل مباشرة وللجميع؟

هذه إشكالية مهمة تستدعي المناقشة، بل تستدعي الكثير من المناقشة، ذلك أنه من غير المعقول أن تطالب النخبة الحكومات بفتح خزائن المعلومات المغلقة لديها بينما هم يغلقون خزينتهم التي لا تحتوي في كل الأحوال إلا على اليسير من المعلومات مقارنة بما يتوفر لدى الحكومات؟ منطقيا لا يمكن لعاقل أن يستوعب مثل هذا الأمر، فحينما تطالب الآخر بالتوقف عن ممارسة أمر ما وتمارس الأمر نفسه فهذا يعني أنك وقعت في تناقض رهيب ويعني أنك لو كنت مكانه لفعلت أكثر مما يفعل ولضيقت على كل شيء ولربما أوصدت أبواب الحريات على اختلافها.

في كل الأحوال هذا التناقض بين المطالبة بإلغاء شيء وممارسته مسألة تعاني منها المجتمعات الخليجية بشكل عام إلا أن الأمر يكون لافتا لو أن هذا التناقض وقع فيه النخبة من المثقفين والمفكرين كونهم قادة المجتمع ونبراسه.
لعل المثال المعين على توضيح الفكرة أكثر هو حالة التناقض التي يعيشها بعض الرجال في حياتهم، ففي الوقت الذي يطالبون فيه بحرية المرأة واحترامها و»يلعلعون» ليل نهار عبر مختلف وسائل الإعلام حتى ليبدو وكأنه لا نصير للمرأة سواهم فإنهم لا يفعلون ذلك مع المرأة التي تقع ضمن مسؤولياتهم المباشرة فيضيقون الخناق على الزوجة والبنت والأخت وربما الأم أيضا ولا يحترمونهن ويمنعونهن ربما حتى من حقهن في الحياة أو حتى في الكلام.
ليس بهكذا فكر وتفكير يمكن لمجتمعاتنا الخليجية أن تتطور، وليس به يمكن للحكومات الخليجية أن تقتنع بأن عليها أن تفرج عن كل ما يتوفر لديها من معلومات، فمن يطالب بأمر ما ينبغي أن يكون مثالا ونموذجا، فمثلما أنه لا يقبل من الحكومات تحفظها كذلك فإنه لا يمكن أن يقبل من النخبة تحفظها وتناقضها.
«من دون توفر المعلومات لن تحدث مشاركة حقيقية، فالحق في الحصول على المعلومات غير موجود في دولنا العربية»، هكذا قال أحد المشاركين من مؤسسي المنتدى للصحافة، ومثله قال آخرون، واهتم أحدهم بانتقاد بعض الدول الخليجية التي وقعت على الاتفاقية الدولية المعنية بالحق في تبادل المعلومات والإفصاح عنها ولم تفعل ما تعهدت به بعد، وطالب أحد المشاركين في المنتدى بمعرفة خطط التنمية الخليجية المستقبلية. ومع هذا وقع الجميع في التناقض الذي ما كان ينبغي أن يقع فيه المنتدى بتخصيص جلسة منعت وصول ما يتم مناقشته وتداوله من معلومات فيها إلى وسائل الإعلام التي هي في كل الأحوال مكمل للمنتدى ولأهدافه ولا يستطيع المنتدى العمل من دونها، وخصوصا في اجتماعه هذا الذي دعا فيه إلى حرية تداول المعلومات ورأى أنه ينعكس إيجابا على التنمية الخليجية.
لكن هذا بالطبع لا يقلل من أهمية وقيمة ودور هذا المنتدى الخليجي، فهو منتدى مهم وقادر على أن يكون موجها ومؤثرا في القرار الخليجي خصوصا في هذه المرحلة الصعبة وغير العادية التي تمر بها المنطقة وتتعرض فيها دول مجلس التعاون للكثير من المخاطر وتتعرض فيه التنمية لكثير من المشاكل والعوائق والتي تهدد ربما بتوقفها في فترة لاحقة لو أن الأمور في المنطقة ازدادت سوءا.
المنتدى -بحسب موقعه الإلكتروني- تجمعٌ لعدد من المثقفين المهتمين بالشأن العام، وخاصة منها قضايا التنمية، من مختلف دول الخليج. بدأ عمله تحت اسم «ندوة التنمية في أقطار الجزيرة العربية المنتجة للنفط»، وعقد لقاءه الأول في ديسمبر 1979 في أبو ظبي ثم تغير اسمه إلى منتدى التنمية. المنتدى أنشئ «تعميقاً لأواصر التعاون بين أبناء أقطار الجزيرة العربية، وسعياً لتكاتف الجهود من أجل مواجهة الصعاب المشتركة التي تجابه مسيرة التنمية في المنطقة، ورغبة من أبناء هذه المنطقة في استمرار الصلة بينهم». يضم المنتدى حاليا نحو 200 عضو من مختلف دول التعاون ويتدارس في كل عام مجموعة من الأوراق البحثية. وبحسب الموقع أيضا فإن المنتدى سعى منذ إنشائه إلى أن يصبح منبرا يوفر مناخا فكريا من شأنه توطيد الصلة والتفاعل بين أبناء دول مجلس التعاون حول قضايا التنمية، وتكريس الجهود لدراسة أوضاع المنطقة وتحليل العقبات التي تواجه التنمية فيها، والبحث عن حلول مناسبة لها، واستشراف التطورات المستقبلية». إضافة إلى اللقاءات السنوية يعقد المنتدى لقاءات تخصصية تناقش فيها الدراسات حول القضايا ذات الأهمية الاستراتيجية والتأثير المستقبلي على عملية التنمية في المنطقة.

كاتب بحريني