
محمد بن سيف الرحبي
عندما تهزمني عناوين الحياة ألجأ إلى الشعر، باعتباره الخيمة الأخيرة الباقية في عراء يتمدد أمام الروح كل حين، مع طغيان خاطفي الأرواح وشيوع الماديات كأنما أجسادنا جاءت لتنال ما تقدر عليه من هذا العالم الاستهلاكي، لكل شيء، حتى للمشاعر، حيث يجري تعليبها، بل وتوزيعها بالمفرد والجملة، بالتصدير المباشر، أو إعادة التصدير، حيث يمكن «إعادة إرسال» الكلمات، باعتبارها حروفا، وليست قطعا فنية منحوتة في القلب.. إلى قلب آخر.
الشعر ملجأ مهم، لا أعرف كتابته، لكنني أحاول قراءته، وأجد في الصوفي منه إنسانية بليغة، وقد وجدت ضالتي مع مولانا جلال الدين الرومي، مقتنيا ما استطعت من دواوينه المترجمة، وحتى حروفه باللغة الفارسية تبدو لها روحانية أمام العين التي تقلب بصرها في هذا الإنسان وهو يكتب القصيدة بروحه.
كتبت عدة مرات عن الرومي، لكني أمام كل ديوان له أجد نفسي منساقا للكتابة أكثر، حيث كلمات «مولانا» أكثر صدقا مما يحاصرنا من عناوين الأخبار، وقد تخلى الإنسان عن إنسانيته، فيدعي أن قتل الخلق وسيلة للتقرب من الخالق، في مطار ما وجدت ديوانه «غربال الروح» ومكثت أقرأه، الجملة أكثر من مرة كمن لا يريد أن ينتهي من جرعة ماء دون أن يستمتع بكل قطرة فيها، وهي تغسل الجفاف عن الحلق، يقول في مقطع:
«دخلت قلبي لأرى كيف هو.
شيء ما هناك جعلني أسمع كل العالم يبكي»
ناقشا ببساطة الكائن:
«إذا لم نكن في القلب معا، ما الجدوى؟
إذا لم ترقص الروح ولم يرقص الجسد، لا بهجة في الملابس المزركشة». هو حوار مع الروح، مع قدرة الإنسان على الحب، هذا الذي نحتاج إليه حينما تشرع البنادق في أشد العصور وحشية، كأنما هذا الإنسان ليس هو الممسك على معرفة لم يسبقه إليها أحد، وكأنما المضي في العلم يتوازى مع الدفع بملايين البشر إلى الموت، قتلا أو تجويعا، عدا الفراغ كأسوأ ما يعيشه إنسان اليوم، خاصة في حالتنا، ربما الجسد ممتلئ، لكن الأرواح فارغة، وقد تخلت عن المحبة، يقول الرومي:
يجيء المحبوب إلى جسدي/ باحثا عن القلب، غير قادر على إيجاده،
يسحب شفرة، يطعن في أي مكان».
لكنه الفعل المحبب مهما بدت قسوة «المحبوب»، حيث الروحانية تحيل الماديات إلى «سكينة» تعوزها الذات، الباحثة عن ذاتها عبر المحب، حب الخالق أو مخلوقاته:
كآلة عود أريد أن أحضنك، كي نصرخ بالعشق.
أتود رمي حجارة على مرآة.
مرآتك أنا، وها هي الحجارة.
وفي تعبير آسر يقول: «أنا شوكة وردة سيدي.
يروننا اثنين، لسنا كذلك».
لذلك أستريح إلى الشعر، بتجلياته الإنسانية، يحلق بي أعلى من الواقع، هذا الذي يصبح الجلوس إليه مرهقا للروح والجسد، في داخل الشعر توجد الآمال العظيمة، يقول جلال الدين:
«أيها الشاعر، اترك كل كلمة
ترتجف في جرس ريحها.
أسرج الحصان بآمال عظيمة».