بين الحق والظلم

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ١٣/فبراير/٢٠١٧ ٠٤:١٠ ص
بين الحق والظلم

سمعان كرم

من الصعب الدفاع عن المقاولين الإنشائيين نظراً للسمعة السيئة التي التصقت بهم من جرّاء تجاوزات حدثت واستغلالات للموارد، وعدم تطبيق للمواصفات واستجلاب أعداد كبيرة من الوافدين. لكن في آخر المطاف، علينا أن نعترف بأنهم هم الذين بنوا المساكن والطرق والموانئ والمدارس والمستشفيات. وإذا تركنا على جنب الشركات الوهمية وعددها بالآلاف (حوالي ستون ألفاً) التي سجلت لها نشاط مقاولات في السجل التجاري، والتي تتعاطى التجارة المستترة وحصرنا حديثنا بالشركات الملتزمة التي تسعى أن تقوم بعمل شريف يؤمن لها منفعتها وفي نفس الوقت يخدم المصلحة العامة ويوظف القوى العاملة الوطنية ضمن إطار القوانين المرعية، منطلقة من الإحساس بالمسؤولية الوطنية والمجتمعية، عندها تهون المهمة ويبرر الدفاع عنها.

يحكم على هؤلاء المقاولين عقدٌ موحدٌ لم تتغير نصوصه التي وضعت في أوائل الثمانينيات إلا تغيراً طفيفاً في أواخر التسعينيات (1999). ويتميز هذا العقد بالسلطة المطلقة لمالك المشروع وللاستشاري الذي يعينه هو ويسدد أتعابه فيصبح عادة أداة لتنفيذ إرادته حتى ولو ظلماً وانتقاماً. وبموجب هذا العقد تقع جميع المسؤوليات والمخاطر على عاتق المقاول. وكأنه عند توقيع عقده اعترف بجريمة لم يرتكبها وعليه التكفير عنها، فهو مسؤول عن الحصول على الأذونات المطلوبة مهما طال زمن استصدارها من جراء غياب مدير الدائرة، وكسل بعض الموظفين، وعدم التنسيق بين الدوائر وتعدد الشروط. مهما طالت تلك الفترة فهو المسؤول وسيحاسب على التأخير. وإن تقاعس الاستشاري عن إصدار الرسومات والمعلومات اللازمة للتنفيذ يبقى المقاول هو المسؤول عن ذلك إذ لا توجد في نصوص العقد آلية لمحاسبة الاستشاري الذي يتمتع بحصانة محكمة. وإذا اشتكى المقاول تسبب بعداوات هو بغنى عنها. وهو مسؤول عن رفاهية الاستشاري وسكنه وسيارته وماء شربه ونظافة منزله وحتى هاتفه المتنقل وإلاّ تأخرت الدفعات وتعثر العمل. وهو مسؤول أيضاً عن أي ضرر قد ينجم عن أعماله المشروعة فإذا وقع أحدٌ في حفرة مؤقتة يحاسب عليها وإذا صدرت أصوات عن معداته أو تسبب ببعض الغبار يحاسب عليها أيضاً. وإذا اضطر إلى الاستعانة ببعض القوى العاملة الوافدة الموجودة في السوق إذ أن مأذونيته تأخرت الموافقة عليها، يصار إلى غزو مخيم عماله ومعاقبته وحظره وتغريمه. ناهيك عن ما عليه أن يتحمل من جراء تقلبات الأسعار وتبعات القرارات التي تصدر خلال فترة التنفيذ وهو لا يزال مربوطاً بأسعار ثابتة لا يمكن تغييرها أبداً. فإذا زادت رسوم الحصول على تأشيرات الوافدين عليه تحملها وإذا زادت أسعار المحروقات عليه تحملها وإذا زادت الضرائب عليه تحملها أيضاً. كل ذلك بالإضافة إلى ما يطلب منه من تبرعات ومساعدات ودعم للأنشطة المختلفة. وإذا فجّر صخوراً في بدبد اشتكى عليه سكان سمائل وطالبوه بالتعويض عن التشققات في منازلهم، وإذا عمل في البحر اشتكى الصيادون. هو المجرم الذي ارتكب جريمة التوقيع على عقد ينقصه توازن المسؤوليات والمخاطر. إذ لا يقوم أي مشروع إلا بوجود ثلاثة أطراف وهم المالك والاستشاري والمقاول وعلى كل منهم واجبات ولكل منهم حقوق.

وتزداد عملية إدارة المقاولة تعقيداً عندما تتعدد الأطراف ويخرج القرار عن مالك المشروع. فلمجلس المناقصات كلمته حتى بعد الإسناد، وللمالية كلمتها، ومهما جاء في حكم هؤلاء على المقاول أن يقبل به إذ لاحول ولا قوة عنده. ويتصرف المالك عندئذٍ وكأنه لم يعد طرفاً بالعقد وأصبح دون سلطة أو قرار.
جميعنا يعي ضرورة الحفاظ على المال العام وعلى دور الرقابة والمحاسبة وهو دورٌ صحيٌ ومهم، لكن أن تجرنا المغالاة في ذلك إلى ظلم المقاول، فهذا لا يجوز خصوصاً في الظروف التي يمّر بها هذا القطاع. وبالتحديد أريد أن أركز على مسألة الغرامات والتعويضات عن أضرار قد تكون لحقت بالمالك من جرّاء التأخير بتسليم الأعمال في الموعد المتعاقد عليه. وقد نصّ العقد الموحد على آلية تحمي المالك من أضرار تكون قد حدثت بالفعل (Liquidated Damages) بسبب التأخير بإعطائه حق اقتطاع مبلغٍ قد يصل إلى عشرة في المئة من قيمة العقد على أن يثبت أنه تضرر وأن المقاول هو السبب الوحيد للتأخير.
أما الظلم وكل الظلم يكمن في تطبيق غرامات التأخير حتى ولو لم يحصل أي ضرر على المالك. مثلاً أن تكتمل أعمال شارعٍ ويفتتح أمام السير في الوقت المحدد وأن تبقى بعض أعمال الحمايات الجانبية غير مكتملة يتذرع الاستشاري بها ولا يصدر شهادة استلام مبدئية فيطبق الغرامات. هل هناك شركات مقاولات تربح اليوم عشرة في المئة من قيمة عقودها؟
لنلقي نظرة على حسابات شركات المقاولات المدرجة في سوق مسقط المالية ومدى تعثرها وهزالة أرباحها، لا بل ضخامة خسائرها. وبدلاً من أن يكون بند التعويض عن الأضرار أداة إنصاف للمالك يصبح أداة ظلم ومصدراً لدخل غير مستحق له. من ناحية أخرى، ينص العقد الموحد على أن تتم دفعات المقاولين خلال ستين يوماً من تاريخ اعتمادها. نتساءل هنا: ما هو الإجراء في حال تأخرها؟
لقد عملنا لخمسة عقود بأجواء متفهمة وعادلة تحفظ حقوق الجميع ولا مجال هنا للانتقام أو إلحاق الضرر بقطاعٍ يعاني أصلاً الكثير. علينا جميعاً أن نحافظ على بعضنا البعض وأن نتغلب على التحديات بالتضامن وليس واحداً على حساب الأخر. لقد زادت الدعاوى من قبل الشركات الكبيرة على مالكي المشاريع وقد تضطر الشركات المتوسطة والصغيرة أن تحذو حذوها إذ لا خيار لها سوى الإفلاس. ونحن بغنى عن هذه الإجراءات التي قد تشوه سمعة بلدنا. لا نريد أن تنتقل السمعة السيئة من المقاولين إلى أصحاب المشاريع الخاصة أو الحكومية. والمطلوب هنا عدم تطبيق غرامات التأخير إلا في حالات حدوث أضرار على المالك وأن تكون موثقة وأن لا تؤخذ كمصدرٍ للدخل أو التحصيل الضرائبي خصوصاً في ظروف سيولة نقدية قد لا تسمح للمالية أن تقوم بتسديد المستحقات خلال ستين يوماً فنفتح مجالاً واسعاً للمقاضاة والتحكيم. وفي جميع الحالات علينا دائماً أن نبحث عن المسؤول الفعلي عن تأخير تسليم المشاريع.