
محمد بن سيف الرحبي
www.facebook.com/msrahby
alrahby@gmail.com
عندما عرفنا أن الفنان "سالم علي سعيد" يرقد في المستشفى مريضا شعرت فجأة أن مرضه ليس حالة شخصية، إنما وعكة أصابت حالة فنية شكّلت ذروة صعود الأغنية العمانية في التاريخ الحديث، وبعد انكفاء سالم بن علي عن الساحة تراجع هذا التعبير الإنساني عبر الموسيقى والصوت القادر على اجتياز الحدود.
قد يكون صحيحا، أن الجيل الحالي لا يعرف سالم علي، ولا يدرك ما كانت أغنياته تفعله وهي الصادحة في أجهزة التسجيل داخل منازل وسيارات وجلسات، فكانت معنا أيقونتنا المنافسة على الساحة الخليجية، يوم كان الطرب بأيدي الكبار، طلال مداح ومحمد عبده وعبد الكريم عبد القادر وأبو بكر سالم، وغيرهم ممن كانوا أسماء، قليلة في عددها، كبيرة في إبداعها، يضاف إليهم مجموعة من الفنانين اليمنيين، منهم أيوب طارش وفيصل علوي والثلاث الكوكباني، على سبيل المثال، لا الحصر.
للمرة الأولى كان (السمّيعة) يترقبون (نزول شريط) لسالم بن علي، وكان اسمه الثلاثي ينطق كأنه كلمة واحدة، هذا الفتى القادم من جبال ظفار وسهولها يحمل شجن الصوت وعذوبته، ملتقيا في أجمل حالات الإبداع مع لحن السيد خالد بن حمد البوسعيدي، وكانت سابكو الحاضنة التي قدمت الصوت داخل السلطنة وخارجها.
حينها شعرنا أن نهضة فنية بدأت، وستستمر، على خطى جيل كان يقوده سالم آخر، هو سالم بن راشد الصوري، لكننا نظهر مهارتنا فورا في إنكارنا وجحودنا لمن يقدم الصوت العماني كسفير له قدرة على الوصول إلى الآخرين، وفق رسالة فنية حضارية، بما لا يقدر عليه السفراء الرسميون، لأن منطلقه جمالي، مستعاد، لا يكتفى من رحيقه برشفة واحدة.
عشنا مع صوت سالم علي سعيد جماليات مرحلة من العمر، جسّد فيها أحلامنا السعيدة والشقية على السواء، من "عش سعيد" إلى "لا تبك" وبينهما اخضرار من الأغنيات، "مسافر" ووصولا إلى "لمن السفائن" كحالة وطنية تتردد في قلوبنا أسئلتها، لكن "إدارة الموهبة" لم تستمر فنا يتوازى مع الحالة الفنية بإبداعها الراقي لدى هذا الفنان، فتوارى تحت هيمنة إحباطات وانكسارات وأمزجة دون أن تجد ما يعيد الصوت إلى ساقية العطاء، وقراءة ما يريده من تطوير وتجديد يبقيه علما على الساحة، حيث غابت المؤسسة القادرة على حفظ الحالات الإبداعية كهذه، لأن "الشؤون الإدارية" لا علاقة لها بالفنون، ولا تستوعب ماذا أن يكون في مجتمع مبدعون هم حملة المشاعل، في عصر له لغته في التواصل.
هل كان عسيرا علينا صنع النجوم، أو المحافظة عليها على الأقل؟
نعم، كان عسير جدا، وعدم رغبة داخلية تظهر إلى السطح بأشكال من اللامبالاة واللا اهتمام، حتى تذوي النجوم وتأفل من تلقاء نفسها.
يسافر سالم بن علي في رحلة علاج، والدعاء له أن يعود بعافية إلى أرض عرفته عندليبها الأسمر، حفظته أغنية رددها جيل، وبمقدار الفرحة التي نثرتها ورود أغنياته ننتظره، وعساك تعود سالما، وعليّا، وسعيدا.. بكل نغمة اسمك الجميل.