
انتوني ليك
إيزابيلا لوفين
ربما سيتذكر الناس سنة 2016 كسنة مليئة بالأحداث العسكرية والسياسية ولكن في الواقع يجب أن يسجلها التاريخ كأسوأ السنوات بالنسبة للأطفال منذ الحرب العالمية الثانية. إن صور الأطفال الموتى والجرحى والذين يعانون من اضطرابات شديدة كانت تملأ الصحف بشكل شبه يومي فهناك صورة الولد الصغير الذي يجلس مذهولا بينما تنزف منه الدماء بعد أن تعرض منزله للقصف وصور أجساد الصغار التي يتم انتشالها من الركام والقبور الصغيرة على ساحل البحر الأبيض المتوسط التي تضم أجساد الكثير من الأطفال غير المعروفين.
إن الصور قوية وغير مريحة ولكنها لا تستطيع أن تعكس المعاناة الشديدة التي يعاني منها هؤلاء الأطفال فهناك أكثر من 240 مليون طفل يعيشون في مناطق النزاع من حقول القتل في سوريا واليمن والعراق وشمال نيجيريا إلى المناطق المرعبة الأقل توثيقا مثل الصومال وجنوب السودان وأفغانستان ومن بين الخمسين مليون طفل الذين يعيشون خارج بلدانهم أو الذين تعرضوا للتشريد داخل بلدانهم فإن أكثر من نصفهم قد تم اقتلاعهم من جذورهم بشكل قسري وهم يواجهون الآن تهديدات جديدة لحياتهم ومعيشتهم ورفاهيتهم.
إن هناك ملايين الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية وغير ملتحقين بالمدارس وملايين آخرين شهدوا أعمالا وحشية مروعة كما يتعرض الملايين من الأطفال للاستغلال والإساءة وما هو أسوأ من ذلك. إن هذا الكلام ليس كلاما إنشائيا بل يعبر عن الواقع.
إن الأمم المتحدة -بدعم من بلدان مثل السويد وبالعمل من خلال نظام استجابة إنساني منسق يتضمن اليونيسيف- تخفف من المعاناة في جميع الأماكن التي تصل إليها وذلك حسب إمكانياتها ولكن كمية الأزمات المتتالية وتعقيدها هي بمثابة اختبار لهذا النظام أكثر من أي وقت مضى. إن التحديات الجديدة مثل التطرف تزيد من المخاطر التي يتعرض لها لأطفال وتجعل الوصول إليهم أكثر صعوبة وخطورة وفي الوقت نفسه فإن المجموعات المسلحة تستهدف المدارس والمستشفيات والمنازل بشكل متزايد مما يضاعف من معاناة الناس الأبرياء.
إن الحلول السياسية لتلك النزاعات هي الطريقة الأفضل من أجل وقف المعاناة وإنهاء هذه الانتهاكات الوحشية لحقوق الإنسان ولكن ونحن ننتظر هذه النتيجة المثالية، نحتاج لتقوية قدرة النظام الإنساني الحالي من أجل الوصول للأطفال الأكثر تعرضا للمخاطر.
قبل أكثر من سبعين عاما تعامل قادة العالم مع الأزمة الإنسانية غير المسبوقة التي تلت الحرب العالمية الثانية وذلك بإنشاء مؤسسات جديدة من أجل تقديم المساعدة الفورية لأولئك الذين كانوا بحاجة لها. إن تلك الكيانات العالمية الجديدة وضعت الأساس لمستقبل مبني على أساس التعاون والحوار والنتائج عوضا عن الصراع والكوارث والدمار.
لقد كان ذلك بمثابة نقطة تحول في تاريخ العالم والآن نصل لنقطة تحول أخرى فنحن بحاجة لاستدعاء نفس روح التضامن والإبداع اليوم والتي ألهمت الأجيال السابقة ولكن ليس بتأسيس مؤسسات جديدة بل إيجاد أساليب جديدة للاستجابة للحقائق الصعبة في عصرنا هذا.
بادئ ذي بدء نحن بحاجة بشكل عاجل لتعزيز الابتكار من أجل توسيع قدرتنا على الوصول للأطفال الذين لا تصلهم المساعدات في المناطق المحاصرة أو المجتمعات التي يسيطر عليها المتطرفون. يجب أن نستكشف كل الخيارات مثل الطائرات بدون طيار أو إسقاط المواد الغذائية والإمدادات الطبية بالطائرات وتطوير تطبيقات الهواتف النقالة لمراقبة الاحتياجات وتعقب ومتابعة الإمدادات على الأرض ومن أجل تأمين سلامة عمال الإغاثة وبينما لا يوجد بديل للمساعدات الإنسانية الآمنة وبدون عوائق، نحن بحاجة لاستكشاف جميع الطرق من أجل الوصول للأطفال الذين يتعرضون للمخاطر.
بشكل عام يجب أن نحسن أداءنا فيما يتعلق بالتنسيق بين الحكومات والمنظمات لتوفير الإغاثة على المدى القصير والطويل بشكل أكثر فعالية وحتى نستغل كل دولار على أحسن وجه ومع انتشار الأزمات المزمنة يتوجب علينا تعزيز التعاون والترابط بين المبادرات الإنسانية والتنموية وذلك نظرا لأنها تسير جنبا لجنب. كيفية تعاملنا مع الحالات الطارئة سيضع أساس النمو والاستقرار المستقبلي وكيفية الاستثمار في التنمية ويمكن أن يساعد في بناء الصلابة والمرونة في مواجهة الحالات الطارئة المستقبلية.
وأخيرا يتوجب علينا تغيير كيفية قيام الحكومات بتوجيه المساعدات الحيوية من أجل تلبية الاحتياجات المتقلبة، ففي السنوات الأخيرة تصاعدت المناشدات بتقديم المساعدات وهذا جعل البلدان التي تقدم المساعدات والتي تمر بمرحلة تقشف على المستوى المحلي تبرر ما تنفقه على مساعداتها الخارجية. لقد خصصت العديد من الجهات المانحة أموال المساعدات لأغراض محددة وبالطبع هذه الأموال ستبقى أداة لا غنى عنها في مجال المساعدات الإنسانية والتنموية ولكن في هذه البيئة التي لا يمكن التنبؤ بها فإن من الضروري جدا أن يكون هناك تمويل أكثر مرونة وأن يكون على المدى الطويل بشكل أكبر.
إن التمويل الأساسي كما هو معروف يمّكن الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية من الاستجابة بشكل أكثر سرعة في الحالات الطارئة والتخطيط بشكل أكثر إستراتيجية. إن مثل هذا التمويل يسمح لنا بتوفير مساعدات تنقذ الأرواح عندما يكون الناس في أمس الحاجة لها عوضا عن الانتظار حتى تتمكن البلدان من الاستجابة لمناشدات إنسانية محددة وهذا مهم على وجه الخصوص في التعامل مع الأزمات «المنسية» والتي لا تتطرق لها وسائل الإعلام.
لقد كانت السويد على الدوام مناصرة لمثل هذا الدعم المرن لمنظمات الأمم المتحدة لأنه يحسن النتائج ولهذا السبب قررت الحكومة السويدية مؤخرا مضاعفة مساهمتها لسنة 2016 في صناديق تمويل اليونيسيف الأساسية ونأمل أن هذه الممارسة سوف تنتشر وتلهم الحكومات الأخرى للتحرك تجاه تمويل عالي الجودة لمساعدات الإغاثة الإنسانية والتنمية المستدامة.
يجب أن نحمي حقوق وأرواح ومستقبل الأطفال الأكثر عرضة للمخاطر ومدى نجاحنا في تحقيق ذلك سوف يساعد في تقرير مستقبلنا المشترك كذلك.
أنتوني ليك: المدير التنفيذي لليونيسيف إيزابيلا لوفين: وزيرة التعاون التنموي الدولي
ونائبة رئيس الوزراء في السويد