إعادة النظر في تنقل العمالة

مقالات رأي و تحليلات الخميس ١٩/يناير/٢٠١٧ ١٢:٢٥ م
إعادة النظر في تنقل العمالة

سيتذكر التاريخ العام الفائت بوصفه فترة من الثورة ضد ما يحب رئيس الولايات المتحدة المنتخب دونالد ترامب أن يطلق عليه وصف «العولمية» (وليس العولمة). وقد استهدفت الحركات الشعبوية «الخبراء» و»النُخَب»، الذين يسألون أنفسهم الآن ما الذي كان بوسعهم أن يقوموا به على نحو مختلف لإدارة قوى العولمة والإبداع التكنولوجي.

يؤكد الاجماع الناشئ على ضرورة تعويض الناس والمجتمعات التي شردتها هذه القوى، وربما حتى بدخل أساسي غير مشروط. ولكن هذه الاستراتيجية لا تخلو من العديد من المخاطر. ذلك أن الناس الذين يُدفَع لهم للقيام بأنشطة عديمة القيمة، أو لا شيء على الإطلاق، من المرجح أن يصبحوا أكثر انفصاما ونفورًا. وربما تطالب المناطق التي تحصل على إعانات الدعم لمجرد أنها تخسر ببساطة، بالمزيد من الاستقلال، ثم تعمها حالة من الغضب والاستياء عندما لا تتحسن الظروف.

وعلى هذا فإن التحويلات المالية البسيطة ليست كافية. يتسم البشر بالإبداع والقدرة على التكيف، ولكن فقط في بعض الظروف، ولهذا يتعين علينا أن نستمر في البحث عن فرص قابلة للاستمرار تسمح للناس بالمشاركة الخلّاقة الفعّالة في الاقتصاد. ولتحقيق هذه الغاية، ينبغي لنا أن ننظر إلى التاريخ، فندرس ما حدث للـ»خاسرين» خلال الفترات السابقة من العولمة التكنولوجية السريعة.
في الثورة الصناعية في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، تسبب الإبداع التكنولوجي، وخاصة في صناعة آلات النسيج، في الإزاحة الجماعية للصُنّاع المهرة والحرفيين، الذين تُرِكوا محرومين من أي شبكة أمان حقيقية للتخفيف من وقع الضربة. ولكن ليس من الواضح، عندما ننظر إلى أحداث تلك الفترة الآن، ما إذا كان بوسع الحكومات أن تقوم بأي شيء لتعــــويض عمال النسيج على النول اليدوي في سيلسيا أو الصناع المهرة في المناطق الريفية في أيرلندا. فرغم أنهم كانوا من العمال الكادحين، أصـــــبحت منتــــجاتهم أقل جودة وأكثر تكلفة مقارنة بمنتجات المصانع الجديدة.
بدلا من ذلك، هاجر العديد من العمال المزاحين لمسافات بعيدة غالباً عبر المحيطات إلى أماكن حيث كان بوسعهم اتخاذ أشكال جديدة من العمل، بل وحتى الازدهار.

وكما يُظهِر الكتاب الرائع من أعمال الراحل توماس ماكرو بعنوان «المؤسسون والتمويل»، كانت تقاليد ريادة الأعمال في أميركا دليلا على إبداع المهاجرين.

لكي نتعرف على فوائد الهجرة، ليس علينا أن ننظر إلى ما هو أبعد من كالستاد، البلدة التي يسكنها صِغار المزارعين في جنوب غرب ألمانيا حيث وُلِد فريدريش (فريد) ترامب جد دونالد ترامب في الرابع عشر من مارس من العام 1869. انتقل فريدريش ترامب إلى الولايات المتحدة العام 1885 (كانت زوجته أيضًا من مواليد كالستاد، وقد تزوجها هناك في زيارة إلى بلدته القديمة العام 1902). وكان والد مؤسس شركة الأغذية العملاقة هاينز (شركة كرافت هاينز الآن)، هنري جون هاينز، من مواليد كالستاد أيضًا في العام 1811، ثم هاجر إلى بنسلفانيا في أربعينيات القرن التاسع عشر، هربًا من أزمة زراعية.
ولكن بعد قرن واحد فقط، لم تعد الهجرة خيارًا متاحًا للأشخاص الذين أصبح نشاطهم الاقتصادي عتيقا على نحو مفاجئ، خاصة أن أغلب الدول فرضت حواجز أكثر صرامة ضد الهجرة. في النصف الأول من القرن العشرين، كان المنتجون الأكثر عُرضة للخطر هم صغار المزارعين من المناطق الريفية الذين لم يكن بوسعهم أن يتنافسوا مع الإنتاج الغذائي المتوسع في أماكن أخرى من العالم.
أستاذ التاريخ والشؤون الدولية في جامعة برينستون، وأستاذ التاريخ لدى معهد الجامعة الأوروبية في فلورنسا.