
جوزيف ستيجليتز
كَشَف التصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي في المملكة المتحدة وانتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة عن عدم رضا الناخبين في الدول المتقدمة عن العولمة. وسواء كانوا محقين أو غير ذلك، فإنهم يلومون العولمة عن ركود الدخول، وارتفاع معدلات البطالة، وتفاقم حالة انعدام الأمان.
وكان مواطنو الدول النامية يُعرِبون عن مشاعر مماثلة لفترة أطول كثيرا. ورغم أن العولمة جلبت العديد من الفوائد للعالم النامي، يعترض كثيرون على الاقتصاد النيوليبرالي الذي وجه إدارتها. وبشكل خاص، أثار إجماع واشنطن، الذي يدعو إلى التحرير غير المقيد والخصخصة، وسياسات الاقتصاد الكلي التي تركز على التضخم بدلا من تشغيل العمالة والنمو، قدرًا كبيرًا من الانتقادات على مدار سنوات. فهل حان الوقت لإعادة النظر في الحكمة الاقتصادية التقليدية؟
ترى الوكالة السويدية للتعاون الإنمائي الدولي (سيدا) أنها مسألة تستحق النظر. وعلى هذا فقد وجهت الدعوة إلى 13 خبيرًا اقتصاديًا من مختلف أنحاء العالم للقيام بهذه المهمة على وجه التحديد.
وقد خلصنا إلى أن بعض الأفكار التي تقوم عليها اقتصادات التنمية التقليدية ربما ساعدت في واقع الأمر في خلق بعض التحديات الاقتصادية التي تواجه العالم. وعلى وجه الخصوص، بات من الواضح الآن أن صيانة الميزانيات الوطنية المنضبطة والتحكم في التضخم ببساطة، مع ترك البقية للأسواق، لا يُفضي بشكل تلقائي إلى توليد النمو المستدام الشامل. ومع وضع هذا في الحسبان، قمنا بتحديد مبادئ عامة ينبغي أن توجه سياسة التنمية.
أولًا: ينبغي لنا أن ننظر إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي باعتباره وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية في حد ذاته. فالنمو مهم في الأغلب لأنه يوفر الموارد اللازمة لدعم أبعاد مختلفة من رفاهة البشر: تشغيل العمالة، والاستهلاك المستدام، والسكن، والصحة، والتعليم، والأمن. وثانياً: يجب أن تعمل السياسة الاقتصادية بنشاط على تعزيز التنمية الشاملة. فبدلاً من توقع مد التنمية الذي يفترض أن يرفع كل القوارب، ينبغي لصناع السياسات أن يعملوا على ضمان عدم تخلف أي مجموعة عن الركب. ويتعين عليهم أن يتصدوا وجهاً لوجه لأشكال الحرمان -من البطالة إلى نقص القدرة على الوصول إلى الرعاية الصحية أو التعليم- التي تلحق قدراً كبيراً من الضرر بالفقراء.
وفضلًا عن الحتمية الأخلاقية، يساعد هذا النهج في الحفاظ على الأداء الاقتصادي، الذي قد يصبح مهددًا بفِعل التفاوت المفرط في الدخول، والتوترات الاجتماعية، والاضطرابات السياسية، بل وحتى الصراع العنيف. والواقع أن بعض الاضطرابات السياسية الأخيرة كانت مدفوعة جزئيًا بالتفاوت المفرط.
ثالثًا: الاستدامة البيئية ليست خيارًا. على المستوى الوطني، لا يكون نمو الدخل الذي يأتي على حساب الضرر البيئي مستداما، وهو بالتالي غير مقبول. وعلى المستوى العالمي، يشكل تغير المناخ تهديدا للصحة، وسبل العيش، والموائل الطبيعية. ومن المحتم أن تشكل سياسات تخفيف تغير المناخ والتكيف معه جزءًا لا يتجزأ من سياسة التنمية، وليس إضافة لها، على المستويين الوطني والدولي.
رابعًا: لابد من إيجاد التوازن بين السوق، والدولة، والمجتمع. فالأسواق مؤسسات اجتماعية في جوهرها، وهي تحتاج إلى التنظيم من أجل تخصيص الموارد بكفاءة. وفي ربع القرن الأخير، كانت الأسواق غير المنظمة السبب الأساسي وراء العديد من النتائج الاقتصادية السلبية، بما في ذلك الأزمة المالية في العام 2008 والمستويات المروعة من التفاوت. والدولة كيان لا غنى عنه، بالنسبة لقوى السوق وغيرها من القوى على حد سواء، لفرض التنظيمات الفعّالة. ومن جانبها، تشكل منظمات المجتمع المدني ضرورة أساسية لضمان كفاءة عمل الدولة ونزاهتها.
كبير خبراء الاقتصاد الأسبق في البنك الدولي، وأستاذ في جامعة كولومبيا.