تطوير الإيرادات الضريبية تفرضه المرحلة

مقالات رأي و تحليلات الأحد ١٥/يناير/٢٠١٧ ٠٤:١٠ ص
تطوير الإيرادات الضريبية تفرضه المرحلة

علي بن راشد المطاعني
ali.matani@hotmail.com

لم تغفل الموازنة العامة للدولة عن تنشيط الإيرادات غير النفطية ضمن الخطوات الهادفة إلى زيادة مساهمة القطاعات غير النفطية لخزينة الدولة وتنمية الموارد الأخرى، التي تضمن تدفقات نقدية مستمرة، لما تشكله مثل هذه الموارد من أهمية في المرحلة المقبلة في ظل تراجع الإيرادات النفطية في الأسواق العالمية وأثرها على اقتصاديات الدول المعتمدة على النفط، فالإيرادات غير النفطية في الموازنة العامة للدولة تبلغ 2.59 بليون ريال عماني، وتشكل 30 في المئة من إجمالي الإيرادات؛ لذا من الأهمية بمكان تنمية هذا الجانب في ظل الفرص المتوافرة، فالدعوة مهمة إلى إيجاد بدائل الإيرادات غير النفطية في هذه المرحلة، وفي ظل محدودية أو عدم جاهزية القطاعات غير نفطية الأخرى، وتنمية الإيرادات الضريبة تفرض نفسها أكثر من أي وقت مضى، فالدولة لم تستهدف أي رسوم قبل هذه الفترة، لوجود من البدائل ما يسد احتياجاتها المالية، ولا تستدعي الحاجة إلى فرض ضرائب مباشرة، لكن الجميع يتفق على ضرورات المرحلة وأهمية الالتفاف على الذات وتضافر الجهود ورد الجميل بالأجمل منه.

فمثل هذه الأزمات بالطبع من المناسب فيها إعادة هيكلة التوجهات المالية والاقتصادية بالدول بشكل أكثر واقعية، تجعل المجتمع قادرًا على التكيف مع المتغيرات المتلاحقة في العالم من جانب، وإيجاد بدائل ثابتة لخزينة الدولة تسهم في زيادة التدفقات النقدية التي يعاد ضخها في بنود الموازنة للمصاريف الجارية والإنمائية من جانب آخر، ناهيك عن أن تقبل الفرد والمجتمع للإجراءات في مثل هذه الأزمات يكون أكثر تقديرًا للظروف التي تمر بها الدولة عن غيرها أوقات الوفرة مثلًا، الأمر الذي يحدو بوزارة المالية إلى انتهاج هذا المنهاج بشكل متدرج وبعيدًا عن مس احتياجات المواطن الأساسية، والأمانة تقتضي القول بأن العاميين الفائتين لم تتأثر القطاعات الأساسية والخدمات بهذه الأزمة وهذا ما يجب تقديره.

فبلا شك أن تنمية الإيرادات غير النفطية ظل الشغل الشاغل للدولة منذ مطلع السبعينيات على العديد من الجوانب، ووفق تطور الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص وكذلك المجتمع آنذاك، وإيمانًا من الدولة بأن لكل مرحلة ظروفها، وعندما تقتضي الحاجة تنمية هذه الجوانب فستكون، وهو ما لجأت إليه بعض الدول عن طريق الإجراءات الضريبة الاعتيادية.

فمن الجوانب التي تضمنتها الموازنة العامة للدولة تنشيط الإيرادات غير النفطية، ومنها تعديل قانون ضريبة الدخل الذي يتوقع أن يصدر خلال العام الجاري، رغم أن الوزارة لم تضع أثر تطبيق هذا القانون في الموازنة، لما قد يمثل من زيادة التدفقات النقدية من ضريبة الدخل، وتطبيق الضريبة على بعض السلع مثل التبغ والكحول بالتزامن مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فهذه السلع يكتسب رفع الضريبة عليها أهمية من عدة جوانب لعل منها الحد من التمادي في استهلاكها، لأضرارها الصحية، وكذلك زيادة الإيرادات المادية لخزينة الدولة.

لعل تعديل الرسوم على العمالة الوافدة وتراخيص العمالة في السلطنة من الجوانب يجب أن تؤخذ في الاعتبار ورفعها بما يتوافق مع تكلفتها على الدولة، وإتاحة المجال أمام الكوادر الوطنية للانخراط في سوق العمل يحد من استقدام العمالة، ويتيح للقطاع الخاص تفضيل العمالة الوطنية على غيرها، برفع كلفة استقدام الأجانب إلى مستويات تقارب رسوم بعض الدول الخليجية، ورفع الرسوم التي تقدمها شرطة عمان السلطانية التي هي في مستوى أقل تكلفة تشغيلية لهذه الخدمات فما بالك بحقوق الدولة والاستفادة من مواردها، مع إتاحة المزيد من المرونة في بعض التصاريح والطلبات بما يتوافق مع الإجراءات، فهناك بعض الخدمات أشبه بالمجانية تقدم للمقيمين، في حين أن الكثير من الدول تعمل بتكلفة أكثر، فالمراجعات للإعفاءات الضريبية على العديد من المصانع والشركات الإنتاجية التي استفادت منها العديد من الشركات الإنتاجية والخدمية في الفترة الفائتة للعديد من الدواعي، أصبحت اليوم واجبًا أن تفي بهذه الاستحقاقات.

ومن حسن الطالع أن وزارة المالية تقدم هذه الحزم من الرسوم المستقبلية مقدمًا، للعديد من الاعتبارات أولها إدراكًا منها بأهمية إعلام الأوساط المحلية والاقتصادية بهذه التوجهات، وإيمانها بالشفافية في الطرح لهذه الجوانب التي تهم شرائح واسعة من المجتمع، من الأهمية أن يكون لديها علم بالتطورات القادمة والتكيف معها، بدل أن تكون مفاجأة لهم.

نحن علينا نتفهم هذه الإجراءات في هذه المرحلة ونشجع عليها لما فيه خير لبلادنا التي التزاماتها كثيرة ومواردها قليلة من جانب، ونرغب في تجويد الخدمات وتطويرها من جانب آخر، وهذا لا يتأتى إلا من خلال تقديم بعض الخدمات بتكلفتها، ومساهمة الشرائح المستفيدة من دعم الدولة في السنوات الفائتة في تحمل جزء من الاستحقاقات الوطنية الواجبة.
نأمل أن نعيد هيكلة العديد من الإعفاءات الضريبية وبلورة رسوم للخدمات غير الأساسية للمواطنين لتنمية الموارد التي يحتاجها المواطنون في جوانب أخرى أكثر أهمية، وتحمِّل مرحلة المخاض التي أفرزتها الأزمة الاقتصادية بمزيد من التفهم أولًا والالتفاف على الذات والتعاون ثانيًا، ولا تشبع المخاوف من هذه الإجراءات وغيرها، فهي تدور لنا كمواطنين على هيئة خدمات أهم، فيجب الإدراك بأن الدولة لن تنتهج أي سياسات مضرة بنا.