قدود حلبية

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٠٣/يناير/٢٠١٧ ٠٤:٤٠ ص
قدود حلبية

محمد بن سيف الرحبي
www.facebook.com/msrahby
alrahby@gmail.com

أكتب هذا «التشاؤل» وأنا بين تفاؤل وتشاؤم، تحررت حلب أو خسرت، حينما استعادها جيش النظام السوري، ورحل عنها مقاتلو المعارضة، أو حسب أي وصف يطلقه عليهم محبوهم أو كارهوهم؟!

أكتب وصوت صباح فخري ينبعث من أسطوانة «جرامافون» استعيد بها الزمن الجميل في مزاج الغناء، والتقليدي في عالم التقنية.

وواقع، أنا، بين مفارقات ومتناقضات، تتصاعد مع صوت من كان يعد القلعة الثانية في حلب، حيث حنجرة صباح فخري كتبت تاريخ هذه المدينة إبداعيًا من جديد، وشمخت هامة سورية عربية تعلي من الفن الأصيل، حيث «القدود الحلبية» تنساب سحرًا من حنجرته، و«خدك الميّاس يا عمري» تنبعث ثورة عشق.

استمعت ساعتين في حلب لصوت صباح فخري، وهو القادر أن يغني أكثر من عشر ساعات متواصلة، ثم أخذنا طريقنا إلى قلعة حلب لنتناول العشاء في قاعة صلاح الدين برفقة رئيس الوزراء، حينما كانت حلب عاصمة الثقافة الإسلامية، وكانت الناس تصطف مبتهجة تلوّح بفرحتها وألوان العلم السوري، تظن أنه موكب الرئيس، لا سيارات الوفود والضيوف من حاضري حفل التدشين.

استحضر ذكرياتي مع هذه المدينة، وهي بهكذا خراب ونزيف، وأتمنى لو توقف الزمن عند العام 2011، حيث يمكن تجنّب كل هذا الموت والدمار، وأن تبقى حلب عصية على حاملي الأسلحة والأحقاد والطائفية.
ذات نهار من زيارة أخرى كنت أتخذ طريقي على درب القساطل هابطًا من صلنفة في جبال الساحل السوري متجهًا بسيارتي صوب حلب، أسأل اللافتات عن المسافة المتبقية عليها، ومعي عائلتي نسمع أسطوانة تحمل مجموعة من أغاني السفر، وديع الصافي «الله يرضى عليك يا ابني» وصولًا إلى راشد الماجد «لا تلوّح للمسافر، المسافر راح».
.. وكأني أشعر بأن حلب التي أعرفها سافرت بعيدًا، وسننتظرها طويلًا ريثما العمر يسمح برؤيتها مرة أخرى، كما يقول المتنبي، وقد قرأت بيت الشعر في أحد فنادقها «كلما رحبت بنا الروض قلنا..‏ حلب قصدنا وأنت السبيل» إلى قول نزار قباني «كل دروب الحب توصل إلى حلب» ومحمد إبراهيم أبو سنة وهو يكتب: حلب على مرمى سحابة..‏ نثرت ضفائرها..‏ وفستق دمعها..‏ يشكو الصبابة..‏ مالت بنا شمس الغروب.. إلى الكآبة.

وأتذكر فستقها، يتناثر بين أيدينا في طريق العودة عبر سهل الغاب، «عيونك سود يا محلاهم» حيث المدينة تكاد تخرج من تاريخها كما تخبرنا الصور وشاشات التلفاز، الدمع المتجمد في محاجر العيون السود، بينما الأيادي السود تصب حمم جحيمها على حلب، فكيف بالعسكري الروسي يفهم ما معنى حلب، لا يراها سوى مدينة ناشرة على سياق النظام، وعليه أن يلقي كامل حمولته من المواد المتفجرة يكمل بها ما تبقى مما لم تصبه البراميل الحارقة تتساقط على البشر والحجر.

أيًا كان قاتلك أيها المدينة فلن تموتي، ستنهضين، وستبقين خالدة، حيث سنخرج جميعًا من سياق الحياة والزمان، لتكوني أنت الحياة والزمان.