
بن فلاناغان
رواد الأعمال الشباب في الأراضي الفلسطينية ينالون فرصة اختبار مدى فاعلية أفكارهم إلى جانب نظرائهم من مختلف أنحاء العالم، ما يتيح لهم إيجاد آمال جديدة وفتح أبواب للابتكارات من وراء الحواجز التي تطوق قطاع غزة.
فقدت الاتصال مع رائد الأعمال الغزاوي مصطفي دحدوح وأنا أتحدث معه نتيجة لانقطاع كامل للتيار الكهربائي عن القطاع مجددًا. وما هذا إلا أحد التحديات العديدة التي يواجهها رواد الأعمال في هذا المجال الوليد ولكن المحموم بالقطاع.
لتكون رائد أعمال لا بد أن تتحلى بالقوة والصلابة، لاسيما إن كنت تؤسس شركة ناشئة في قطاع غزة. فالحصار المفروض على الأراضي الفلسطينية يصعب كثيرا من السفر دوليا، فضلا عن الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي والصراع الدائر مع إسرائيل الذي تصاعد في صيف 2014 إلى حرب امتدت طوال 50 يوما.
وكان دحدوح، البالغ من العمر 26 عاما، يتحدث عبر «سكايب» حول مشروعه الخدمي الإلكتروني.
«موك آب» الذي يعمل على تطويره حاليا عندما انقطع التيار الكهرباء، ويبدو أن الرائد الشاب اعتاد هذا الأمر. أما برنامجه «موك آب» كما يتصوره في شكله النهائي فهو عبارة عن أداة يستخدمها المصممون لتحسين التواصل مع العملاء والحصول على آرائهم وملاحظاتهم. وقد خطرت له الفكرة بعد أن عمل في مجال التصميم لسنوات طوال. وسيتم إطلاق الإصدار الأول قريبًا على يد فريق العمل المؤلف من أربعة أعضاء موهوبين.
وخلافًا لكثيرين ممن في عمره، فقد تمكن دحدوح من السفر خارج قطاع غزة، إذ تسنت له الفرصة في ديسمبر عام 2015 لحضور فعالية «جيكس أون أبلاين» في عمَّان والتي نظمتها مؤسسة تسريع الأعمال «500 ستارت أب»، حيث التقى بديف ماكلور، المستثمر الملائكي المميز وأيقونة وادي السيليكون.
وعلى الرغم من عمله في قطاع التقنيات وجميع إمكانيات اجتماعات الفيديو عن بعد التي تذللها التقنيات، يؤمن دحدوح بأن السفر الفعلي ضرورة لرواد الأعمال. وقد علق على ذلك قائلًا: «إن لم نتمكن من السفر والتعرف على أشخاص جدد، لا يمكننا فهم احتياجات الأفراد. فالأمر وكأنك تجلس في غرفة منعزلة وتظن أنك ستصنع الابتكار الأهم المقبل. عندما تسافر، تفهم العالم».
وبالطبع ما كان دحدوح ليتمكن من السفر إلى عمَّان لولا مساعدة «غزة سكاي جيكس»، حاضنة الشركات الناشئة الأولى في القطاع، والتي تأسست عام 2011 كمشروع تابع لمنظمة الإغاثة الإنسانية العالمية «ميرسي كور». وقد حصلت «غزة سكاي جيكس» على دعم مالي أولي بقيمة 900،000 دولار أمريكي من الذراع الخيري التابع لشركة «جوجل». ثم لجأت بعد ذلك إلى التمويل الجماعي من خلال الموقع الإلكتروني لدعم المشاريع «إنديجوجو» Indiegogo وحازت على دعم العديدين مثل مجموعة الاتصالات الفلسطينية وبنك فلسطين، إلا أنها ما زالت في حاجة إلى المزيد من التمويل.
وتدير «غزة سكاي جيكس» مساحة عمل مشترك لرواد الأعمال وأصحاب الأعمال الحرة، حيث توفر لهم إمدادات كهرباء واتصالات إنترنت ثابتة، بالإضافة إلى عقد فعاليات دورية وبرامج تسريع واحتضان الأعمال الحصرية. وتساعد الحاضنة في تدريب رجال الأعمال الشباب الطموحين وتصلهم بمرشدين ومستثمرين ممكنين، والأهم من ذلك تنظم رحلات لهم خارج القطاع.
ويرى ريان سترجل، المدير الأمريكي لـ»غزة سكاي غيكس»، أن العزلة هي التحدي الأكبر الذي يواجه الشركات الناشئة في قطاع غزة. وقد صرح خلال مقابلة له عبر «سكايب» من غزة: «لقد نشأ جيل بأكمله وهو لا يعرف كيف هي الأوضاع خارج غزة، كما أن ثمة العديد من رجال الأعمال وغيرهم لم تتح أمامهم الفرصة للسفر وللعمل في مؤسسات تعمل على الصعيد العالمي، أو الفرصة لحضور مؤتمرات حول التطورات التقنية الدولية».
ويضيف: «على الرغم من أن الأوضاع أفضل عما كانت عليه عام 2014، إلا أن القيود على الحركة أصبحت برأيي أسوأ مما مضى». والجدير بالذكر أن ريان قد عمل في بيئات متنوعة حول العالم مثل «وول ستريت» والعراق، كما قام سابقًا بإنشاء مساحة عمل مشترك في أفغانستان.
ومن أهم إنجازات «غزة سكاي جيكس» سعيها المتواصل لتنظيم رحلات لمجموعات من رواد الأعمال إلى الخارج، كالرحلة الأخيرة التي نظمتها إلى ستوكهولم في السويد. ويقول سترجل عن ذلك: «تجسد هذه الرحلات تجارب قيمة للغاية، حيث تتيح للرواد الفرصة للسفر وللتعرف على شركات ناشئة عديدة».
وتضم المبادرات الأخرى مخيما ما قبل الاحتضان، «تحدي غزة»، والذي أقيمت جولته الثالثة في سبتمبر 2016. وتقوم خلاله حاضنة الأعمال بتحديد القائمة النهائية بأسماء الشركات الناشئة الوليدة ورواد الأعمال الطموحين الراغبين بالانضمام إلى برنامج الاحتضان الذي تنظمه. وقد شارك في المخيم هذا العام 46 فريقًا يضمون ما يقارب 150 فردًا تتراوح أعمارهم ما بين 12 عامًا إلى 56 عامًا. وسيتم قبول 12 منهم في برنامج الاحتضان في بداية العام المقبل، علمًا بأن جميع المشاريع في مجال التقنيات وتستهدف الأسواق الكبيرة في المنطقة لا الأسواق المحلية.
ذلك إلى جانب الشركات الناشئة الـ21 التي عملت معها المؤسسة سواء في مرحلة الاحتضان أو التسريع وفقًا لسترجل، الذي أضاف أن إحدى أهم المؤشرات الإيجابية هذا العام هي إعادة إطلاق نادي خريجي «غزة سكاي غيكس» الذي يهدف إلى توفير الإرشاد والاستشارات للملتحقين الجدد الذين اختيروا من ضمن فئة تتمتع بمؤهلات علمية عالية ولكنها تنال أجورا منخفضة.
ويعلق سترجل قائلًا: «نشهد نشوء بيئة ريادية واعدة تحفل بطموح عالٍ وإمكانيات هائلة. ونرغب في إنماء وبناء المجتمع في هذه البيئة والنهوض بغزة كمركز للابتكارات التقنية.. حيث يعلِّم الغزاوية إخوانهم من الغزاوية. فهذا ما نريد تحقيقه. وقد جسد نجاحنا في تحقيق ذلك لأول مرة هذا العام قيمة لا تضاهى لنا».
وأردف سترجل أنه يمكننا حاليًا لم شمل جميع الأطراف الفاعلة الكُبرى في مجال التقنيات في قطاع غزة في غرفة واحدة، فسيتمكنون من لمس إمكانيات هائلة في هذه الغرفة الواحدة على الرغم من، أو بالأحرى بسبب، التحديات التي يواجهونها.
وقد صرح سترجل: «أندهش يوميًا عندما أرى كمية العقبات التي يواجهها الناس هنا، واستعدادهم لامتصاص هذه العقبات، بل وإيجاد حلول للتعامل معها... من دون شك غزة هي إحدى أصعب البيئات لإطلاق مشاريع جديدة على مستوى العالم». وأضاف: «بعض أهم الشركات في الولايات المتحدة أو في أوروبا هي تلك التي انطلقت خلال الأوقات العصيبة للسوق، وهذه هي الشركات التي تمكنت من تحقيق النجاح على المدى الطويل. لن أتفاجأ إن رأينا أمثلة مشابهة في غزة».
متخصص في شؤون التجارة والابتكار في الشرق الأوسط