عام جديد من العولمة والمبادرات الذكية

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٠١/يناير/٢٠١٧ ٠٤:٥٤ ص
عام جديد من العولمة والمبادرات الذكية

أحمد المرشد

ونحن نودع العام 2016 بخيره وشره ونستقبل عامنا الجديد، لن نكرر ما يقوله البعض إن ما كان ذهب وولى، أو إن الماضي لم يعد جزءا منا، فهذا كلام بعيد عن العلم، فالماضي جزء مهم في تكوين الشعوب، بل ربما يكون أهم مكون لمستقبلهم. وحتى لا أبدو وكأنني أتحدث فقط، سأستشهد بوقائع حدثت في الماضي ولكنها تمثل لنا نبراسا أو رؤية للغد، غدا أفضل انتظرناه ونتمنى أن يبدأ اليوم، فما بين الماضي والحاضر أو المستقبل سنوات قليلة ستنقضي لنكون أمام أكبر تحد في تاريخنا، الاقتصادي على الأقل، فتاريخنا وحاضرنا السياسي نحن راضون عنه وبإنجازاته الضخمة التي يشهد بها القاصي قبل الداني، ويكفي أن ما سأتحدث عنه الآن فكرنا به منذ سنوات طويلة وكانت البحرين سباقة أو قاطرة لغيرها في تبني نفس الرؤية، وأقصد «رؤية 2030 الاقتصادية».

في أكتوبر من العام 2008، أعلن عاهل مملكة البحرين جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عن مباركته تدشين «رؤية مملكة البحرين الاقتصادية حتى العام 2030»، والتي تضمنت لأول مرة تقديم برنامج اقتصادي متكامل، وجاء في الوقت المناسب، إذ يحتاج المواطنون إلى رؤية اقتصادية تدلهم على الطريق وسط ما يمر به العالم من متغيرات. ليس هذا فقط، فقد حدد الملك حمد الهدف والمبتغى من هذه الرؤية، أتعلمون من كان الهدف؟ إنه المواطن البحريني. وهنا أنقل عن جلالة الملك قوله في تدشين هذه الرؤية: «إن هذا البرنامج ملزم لجميع الدوائر الرسمية، مع ضمان حقها في مناقشة البرنامج وتطويره، لا عذر لأي شخص في العمل يسير لوحده خارج إطار الرؤية المطروحة، والهدف من هذه الرؤية الاقتصادية للعام 2030 هو المواطن، الفرد البحريني، فالتنمية التي لا يكون المواطن هدفها لا فائدة منها ولا نريدها».

لقد سبقت البحرين العالم في تبني رؤية اقتصادية مستقبلية تكون دليلا اقتصاديا للحكومة وتدلها على الطريق وسط ما يمر به العالم من متغيرات، وخصوصا أن الاقتصاد العالمي أصبح مترابطا على المستوى الدولي، وأصبح ما يؤثر في غرب العالم يؤثر أيضا في شرقه وشماله وجنوبه. ليس هذا فحسب، ولكن قيادة المملكة وضعت المواطن نصب أعينها، وهذا لأنها تعتبره ثروتها الحقيقية.
ونحن نقترب من تاريخ تحقيق هذه الرؤية، ربما يتعين على كافة أجهزة الدولة الاستعداد لها من الآن، والعمل على تحقيق هدفها، وهو إسعاد المواطن البحريني كما حدد جلالة الملك وقت تدشينها، ولا ننسى هنا الهدف من «رؤية 2030» وهو زيادة دخل الأسرة الحقيقي إلى أكثر من الضعف بحلول العام 2030، وهو ما أعلنه المسؤولون، لنصل إلى مستوى معيشي أفضل لشعب البحرين نتيجة زيادة معدلات القوى العاملة وارتفاع الأجور.. مع تهيئة السبل والفرص التي تضمن للمواطن الحصول على عمل محترم يمكنه من إعالة نفسه وأسرته بكرامة وعزة.
لقد اقتربنا زمنيا من تطبيق رؤيتنا الاقتصادية العملاقة، ومن خلالها نطمح فـــي الانتقال من اقتصاد قائم على الثروة النفطية إلى اقتصاد منتج قـــادر على المنافسة عالميا، ترسم الحكومة معالمه، ويتولى القطـــاع الخـــاص الرائد عجلة تنميته بشكل يوسع الطبقة الوسطى من المواطنين البحرينيين الذين ينعمون بمستويات معيشية عالية جراء زيادة معدلات الإنتاجية والوظائف ذات الأجور العالية.
حقا إنه الاقتصاد الذي سيدفع المجتمع والحكومة من تطبيق مبادئ الاستدامة والتنافسية والعدالة لكي تتهيأ لكل مواطن بحريني السبل التي تمكنه من تجسيد قدراته الكاملة، وعيش حياةٍ كريمة وآمنة.
ويدفعنا الحديث عن «رؤية 2030» إلى الحديث عن إيجابيات الحكومة الذكية أو الإلكترونية التي تلائم العصر الذي نعيشه حاليا.. ومن مميزات الحكومة الإلكترونية أو الذكية، تطبيق مبدأ الشفافية والحد من البيروقراطية، حيث تسهل مهمة المحللين والجمهور العام في جميع أنحاء البلاد تقييم ومناقشة القرارات الحكومية، وهذا الأمر بدوره يرتقي بمستوى الشفافية الحكومية ويخول الجميع للوصول إلى المعلومات بحرية تامة، ويمنع الفساد بشكل فعال، حيث يستطيع المواطن الحصول على الخدمات في أي وقت خلال 24 ساعة يوميا من دون تدخل من جانب الموظفين، وفي هذه الحالة لا مجال لأي تعطيل للعمل من جانب الموظفين والمسؤولين في الحكومة.
إيجابيات الحكومة الذكية كثيرة والمجال لا يسمح بتعدادها، ومنها زيادة مشاركة المواطنين في عمل الحكومة، ويمكن أن يحدث هذا من خلال ربط جميع المواطنين في المملكة بحيث يتمكنون من إرسال واستقبال المعلومات بطريقة أكثر سهولة. والطريقة الأخرى تكون من خلال زيادة مشاركة الشباب في الحكومة، ويعلق بعض المدافعين عن هذه الفكرة بأن أجيال المواطنين الذين نشأوا مع الإنترنت والتقنيات الرقمية في حياتهم اليومية سيكونون أكثر اتجاها نحو المشاركة إذا كانت وسائل الاتصال تشبه الوسائل التي يستخدمونها في أنشطتهم الشخصية والمهنية، ويمكن بهذا المفهوم أن تزيد الحكومة الذكية من التفاعل بين المواطنين من خلال توفير الفرصة لتبادل المعلومات وتفاعل الأشخاص الذين يشتركون في الاهتمامات والأفكار والمخاوف بغض النظر عن البعد الجغرافي الذي يفصل بينهم.
وبما يتواءم أيضا مع الحكومة الذكية، فيتعين علينا تطبيق الحوكمة الرشيدة، وهو التعبير الذي طغي علينا خلال الفترة الفائتة، حيث يستفيد منه أعضاء المجلس والمديرون التنفيذيون في تحقيق الأهداف واتخاذ القرارات بأفضل الطرق، وهو يضمن أيضا الالتزام تجاه المنظمة والالتزام بالقوانين والأنظمة وحماية المصالح والموجودات، والأهم من كل هذا تحديد المسؤوليات والمهمات بما يضمن نجاح المؤسسات في الاستفادة من كافة مقدراتها، بما يعزز الثقة والمصداقية، هذا بخلاف تبني بيئة وعلاقات عمل متميزة.
وإذا كنا قد تحدثنا عن المبادرات الذكية والحكومة الإلكترونية، فيتعين علينا الحديث ولو بسرعة عن «العولمة»، هذه الصيحة العالمية التي اختلف العلماء في وضع مفاهيم محددة لها، ولذا، تعددت مضامينها وشملت تعريفات كثيرة حيث إنه ليس هناك تعريف واحد محدد ولكن بعض العلماء عرفوا العولمة على حسب منظورهم. فمن بين تعريفاتها ما يرتبط بالتاريخ، أي فعل تاريخي متواصل، وهو حصيلة المعركة الجارية بين المكونات العالمية أو النماذج الحضارية المختلفة التي يؤمن أصحابها بأن لهم رسالة تحدد المثال الإنساني الأعلى.
وعلى المستوى الاقتصادي، تعني العولمة إزالة الحدود الاقتصادية والعلمية والمعرفية بين الدول، ليكون العالم أشبه بسوق موحدة كبيرة تضم عدة أسواق ذات خصائص ومواصفات تعكس خصوصية أقاليمه. وتُعد العولمة ظاهرة بشرية ومعرفية وموضوعية تعيشها دول العالم، كل بقدر نصيبها من المؤشرات آنفة الذكر، ولذا يمكن النظر إلى العولمة في مضمونها الموضوعي باعتبارها حالة تاريخية ناتجة عن تطور عالم البشرية ككل، وأسهمت فيها جميع حضاراتها وشعوبها. في حين اهتم صندوق النقد الدولي بوضع تعريف خاص للعولمة، والتي يراها أنها عبارة عن التعاون الاقتصادي المتنامي لمجموع دول العالم والذي يحتمه ازدياد حجم التعامل بالسلع والخدمات وتنوعها عبر الحدود إضافة إلى تدفق رؤوس الأموال الدولية والانتشار المتسارع للتقنية في أرجاء العالم كله. ولكن محبي الهيمنة الأمريكية يفضلون تعريفها على أنها فرض للسيادة الأمريكية على العالم وصياغة جديدة لمنظومة القوة القديمة، لأن الفكر الإستراتيجي لا يخترع إنما يعيد الصياغة مع تغيير العصور، فهذا الاصطلاح (العولمة) اسم مخفف ومهذب يجري تسويقه من قبل الدول العظمى، وخاصة الرأسمالية، وهو أحد محطات الاستعباد والاستغلال.
انتهى العام، ولكن لم تنتهِ أمانينا بحياة أكثر سعادةً ونجاحاً سياسياً واقتصادياً.

كاتب ومحلل سياسي بحريني