في فلسفة الزمن

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٠١/يناير/٢٠١٧ ٠٤:٢٧ ص
في فلسفة الزمن

محمد بن سيف الرحبي

يبدو الأمر مثيرا أن ننظر إلى أرقام سنوات ما باعتبارها حدثت قريبا، مرّت هكذا، مع أنه هناك من يراها من ذلك الزمن البعيد.

عندما أقول لشخص أن عام 1990 (على سبيل المثال) نعتبره قريبا إلى حد ما، يمكن القول إن ذلك عمره، أو كان في سنوات معرفته الأولى للحياة من حوله، إنما أشعر بها بصورة مختلفة، كوني دخلت عالم «الأبوّة»، حيث إن مرحلة جديدة من العمر طرقت أبوابي، أما إذا تحدث أحدهم عن عام 2000 فأحسبه أنه يشير إلى عام قريب جدا، ربما قبل ثلاث سنوات أو خمس، مع أن هناك 17 عاما تفصلنا عنه، تكفي ليرى مولود ذلك العام نفسه يسير بين جنبات جامعته، ومن كان طالبا جامعيا فإنه أصبح ربّ أسرة.

هكذا تتداعى أرقام الزمن على أصابعنا..
حينما أقول عن سنة تخرّجي مما كان يسمى الثانوية العامة يفغر البعض فاه (وفق التعبير الأدبي)، حيث تبدو لهم سنة 1986 من القرن الماضي، وكأني عجوز أسرد حكايتي عن زمن غابر، من القرن العشرين، بينما القرن الحادي والعشرين نمضي فيه صوب سنته الـ17، فانسلّ العمر كالرمل من بين أصابعنا، والصحراء متاهة كبرى، العمر فيها ليس أكثر من طائر صغير يفتش عن قطرة ماء وظل.. والهجيرة حارقة. عرفنا نوعين من الحياة، فيما جيل اليوم لا يعرف إلا واحدا، هو العصر الحديث بما فيه من تقنيات تتطور باستمرارية غير متوقعة في كثير من الأحيان، حياتنا الأولى محسوبة على ما قبلها من زمن انعدمت فيه وسائل الحياة، سوى ما يقيم (الأود) من غذاء وماء، بهما من البساطة ما يجعلنا نأكل ونشرب ما يتأفف منه جيل اليوم، فكيف يتقبّل أبناؤنا أننا كنّا نشوي الجراد، أما حكاية أكل بيت الدبابير فتحيلنا أمامهم إلى تلك القبائل الإفريقية التي يقال إنها آكلة لحوم البشر!!
كيف كنّا في سبعينيات القرن الماضي لم نبدأ بالتعرف على الراديو والتلفزيون والهاتف؟ كيف نصل إلى عام 2017، وأكثر من ذلك بمراحل (متطورة) نكاد نشعر أن حياتنا بدون تلك الوسائل ستتوقف؟!
أستعيد حالة القلق التي لفّت العالم أواخر عام 1999، مخافة الرقم الجديد الذي ستعجز الحواسيب عن استيعابه، اليوم يبدو بعيدا، رقم زحف فوق سابقه، وعشنا الألفية الجديدة، وهكذا نسير صوب إكمال عقدها الثاني بعد ثلاث سنوات، حيث سيأتي رقم 2020 أنيقا، ونتبادل التهاني في 20/ 2/ 2020، رقم مميز، حيث نقتنص الفرص لنحوّل الأرقام إلى مصدر سعادة وتفاؤل، في عالم (غشيم) يتخبط في أوحال الحروب، حيث المصالح تحرق الأخضر واليابس، طالما أن تجّار الأسلحة تلاقت مصالحهم مع تجّار الدين، وتدفع الإنسانية أثمانا هائلة لقلة من البشر يمارسون إرهابهم السياسي والديني والاقتصادي عليها.
عام جديد، سيزيد في حياتنا ما يزيد، وينقص منّا أو ممن هم حولنا ما ينقص، حيث مزاد البقاء لا يفوز به إلا من كتبت له أقداره ليلحق على 2018، ويتمكن من قول: كل عام وأنتم.. طيبون، على الأقل، حيث الطيبة مقصدنا وهدفنا.