هل نكون شركاء أم متفرجين؟

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٠١/يناير/٢٠١٧ ٠٤:٠٥ ص
هل نكون شركاء أم متفرجين؟

علي بن راشد المطاعني

تعلن هذا الأسبوع الموازنة العامة للدولة للعام 2017م بمرسوم سلطاني سامٍ يصدره حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله- ويكتسب هذا الإعلان أهمية كبيرة على العديد من الأصعدة والمستويات، فمن حيث التوقيت فإن إعلان الموازنة في الأول من يناير من كل عام له دلالته بغض النظر عمّا نعيشه من تحوّلات اقتصادية مؤلمة أفرزتها الأزمة جراء انخفاض أسعار النفط، وانخفاض الإيرادات النفطية بأكثر من 60 في المائة، والإجراءات التي تتخذ لتلافي انعكاساتها على المالية العامة للدولة.
كما أن الحكومة تعلن الموازنة بكل معدلات الإنفاق والإيرادات والعجز ‏ومقارنته بالأعوام الفائتة ونسبته من الناتج المحلي الإجمالي، وسبل معالجته سواء بالاقتراض الداخلي أو الخارجي أو السحب من احتياطي الدولة وغيره من الإجراءات، فهي تعمل كالعادة بشفافية تامة في توضيح الاختلالات الهيكلية في الإيرادات الناتجة عن انخفاض أسعار النفط في العالم، والتوجهات الحكومية في إدارة الأزمة والمستجدات والمتغيرات المتسارعة التي تفرضها الظروف الراهنة.
إلا أن المرحلة المقبلة تستوجب من الجميع مواطنين وقطاعا خاصا وفعاليات مجتمعية ألا يقفوا مكتوفي الأيدي ‏متفرجين على ما تفرزه الأوضاع الاقتصادية، والترقب المشوب بالحذر، والتمني تارة، وجلد الذات تارة أخرى، فهذه المرحلة ليست لمثل هذه الممارسات وغيرها التي نشهدها ونلمسها، وإنما تتطلب الشراكة الحقيقية مع الحكومة في تجاوز المرحلة بكل تبعاتها والتضحية في سبيل الوطن، بكل ما يمكّننا من تجاوز مثل هذه الظروف التي يكتوي بها الجميع.
فمثل هذه الأزمة ليست جديدة على البلاد، وسبقتها أزمات مماثلة في السنوات الفائتة في أعوام 2008 و1986، وكذلك بدايات النهضة وتم تجاوزها وتعلّم دروس كثيرة، وإن كانت هذه الأزمة مختلفة بمعطياتها والتزاماتها المتزايدة في الإنفاق الجاري العام فرضتها الظروف في السنوات الفائتة، ومعالجة الأحداث لا ينبغي أن تدفع الحكومة ثمنها وحدها، وإنما يحتاج الأمر إلى تفهم كبير من كافة شرائح المجتمع وخاصة المقتدرة منه، لأن عليها مسؤوليات كبيرة في الالتفاف على الذات والعمل قدر الإمكان على استيعاب الظروف الراهنة والمستجدات القادمة، والاقتناع بأن الجميع في قارب واحد وعلينا إيصالهم إلى برّ الأمان.
علينا أن نتوقع أن تكون المعالجات القادمة متلائمة مع الظروف الراهنة لضرورات المرحلة التي فرضت علينا بسبب تراجع النفط والارتكان إلى مصدر واحد للدخل كغيرنا من الدول المجاورة، لظروف البناء والتنمية التي عمّت أرجاء البلاد، فعمر النهضة في السلطنة لا يتجاوز 46 عاما، وهو لا يعد طويلا بمقاييس عمر الدول ومراحل تطورها التي تمتد إلى مئات السنين، ولا يشعر بهذا التحول إلا المخضرمون الذين عايشوا مراحل التغير الأولى وحجم العمل والإنجاز الذي شهدته البلاد، بخلاف أولئك الذين ولدوا في أيام النهضة وتفتّحت عيونهم على الخير والرفاه، ولا يعلمون كيف كانت الأمور ومراحل العمل الوطني التي وضعت السلطنة في هذه المكانة.
‏فإذا كان النفط نعمة وعمَّرنا بلادنا من مداخيله، فإنه في الوقت ذاته نقمة ندفع ثمنها الآن، لأن مستويات المعيشة وحالة الاتكال التي خلفها الاعتماد على النفط جعلت منا أشبه بمستهلكين لا نقوى أن نحرك ساكنا في تفكيرنا نحو بدائل أخرى سواء كنا كحكومة أو مواطنين أو قطاعا خاصا، فالكل تأثر بشكل أو بآخر ممّا خلّفه النفط من سلبيات انعكست على نمط حياتنا كمستهلكين أكثر من منتجين للأسف.
إن المرحلتين الراهنة والقادمة تتطلبان أن يكون الجميع شريكا في إنجاح خطط الدولة لمعالجة الاختلالات الهيكلية في تضاؤل الإيرادات، وكيفية تعويضها بالبدائل المستدامة، وتقليل الإنفاق غير الضروري، بل والوعي بالمتغيرات الراهنة وكيفية الإسهام في تجاوزها، فإذا كانت الدولة في السنوات الفائتة لم تطلب من المواطن والقطاع الخاص وغيرهما من الفعاليات المجتمعية المشاركة بفعالية في إنماء البدائل لإيرادات خزينة الدولة، فإن الظروف الراهنة تفرض على الجميع المشاركة دون دعوات أو طلبات من أحد، فالحر كما يقال تكفيه الإشارة في المشاركة بكل ما يملك، ليس بالضرورة أن يكون بالدفع النقدي، ولكن أقلها تفهّم الإجراءات التي تتخذ للمعالجة دون ضوضاء تعكّر صفو العمل الوطني الهادف إلى تجاوز المرحلة وظروفها العصيبة، والرأفة قدر الإمكان بالمرافق والممتلكات والإسهام الفاعل بما نقدر عليه في تحقيق الاستقرار المالي للدولة.
وكما يقال، رُبّ ضارة نافعة، فالدعوة إلى تحويل التحديات إلى فرص ينبغي أن نستثمرها بشكل أفضل في هذه المرحلة التي ينبغي أن نعيش فيها تحوّلا وطنيّا كبيرا يقود إلى خطوات جريئة وطموحة في ترتيب الأولويّات والنهوض بالمقدّرات، والتشمير عن سواعد الجد، فالفرص بالبلاد كبيرة وعديدة، وإمكانات بلادنا الطبيعية والجغرافية كبيرة وقدراتنا الوطنية قادرة على إدارتها.
ولعل ما نحتاجه هو فقط الطاقة الإيجابية التي تستنهض الهمم وتوقد الحماس في نفوس الشباب، وتحدث تحوّلًا نفسيًّا وفكريًّا لدى أبناء المجتمع يوسّع فهمهم ونظرتهم لمقتضيات المرحلة الراهنة، والإجراءات التي تتخذ بأنّها من صالحهم ومنهم وإليهم.
فإذا كان المواطن بحاجة أن يقدّر دعم بعض الخدمات الضرورية، فمن الأهمية أيضا أن يعرف ضرورات فرض الرسوم على بقية الخدمات المنتقاة وغير الضرورية للسكان أو الاختيارية لبعض الشرائح وأهميتها للاقتصاد، فالحكومة مطالبة بأن تكون خدماتها أكثر جودة وسرعة وعلى مدار الساعة لأن الجودة مرتبطة بالتكلفة.