
أحمد المرشد
تعلمنا من التاريخ أن الحضارة مصرية، فالدولة المصرية هي نبع الحضارة وعنوانها، والمصري قدم للبشرية حضارة من أعرق الحضارات الإنسانية في فنونها عندما أبدع، ليس هذا فحسب، بل كانت حضارة بمعناها الحقيقي في ابتكاراتها وأفكارها وآثارها. وتعلمنا من التاريخ الحديث أن المصري عندما يمر بمشكلة حتى لو كانت في حجم نكسة 1967، سرعان ما يتجاوزها ويتفوق على نفسه ليهزم الأعادي ويوقع بهم الهزائم، فالمصري لا يستكين للنكبات ويعمل على هزيمتها ليعاود تقدمه وابتسامته وليضع بصماته الجديدة في كل مرحلة يمر بها.
وشعراء مصر على مر تاريخها ليسوا ببعيدين عن أمتهم ووطنهم، فاعتدنا منهم التغزل في محاسنها ونيلها وأجوائها وخضرتها، إلى أن أصبحت قاهرة المعز ملهمة للشعراء في الغزل والحسن والجمال وحتى إذا تهكم شعراء مصر على وطنهم في بعض الأحيان، فهذا ليس بسبب أن شعراءها يكرهون مصر وبلدهم التي عاشوا وتربوا فيها، ولكن لما يرونه في مصرهم الآن من سوء أحوال، فمصر ليست بمصر، والقاهرة لم تعد هي القاهرة، والنيل يئن، حتى أصبح هو الآخر محل خلاف بين دولة، أو بين ما يدعونه مورد وآخر مصب. فالمورد يريد الاستثمار بالماء الذي وهبه الله عز وجل لشعوبه، والمصب يخشى العطش، ولكنه للأسف لم يصل لوسيلة بعد لضمان حقه في ماء النهر. وأيام المياه الوفير في مصر، كتب الشعراء القصائد لنهر النيل وهم الذين تغنوا به وعاشوا على شواطئه وجنباته، وحبوا فيه مياهه وصفاءه وشروق وغروب الشمس عليه، فغنت أم كلثوم «شمس الأصيل» للشاعر الكبير بيرم التونسي.. هذا الشاعر الذي أبدع بكلماته ونقلتها لنا مطربة مصر والعرب الراحلة بنحجرتها الذهبية تقول:
«خوص النخيل يا نيل، تحفة ومتصورة، في صفحتك يا جميل، والناي على الشط غنى، والقدود بتميل، على هبوب الهوا، لما يمر عليل.
يا نيل أنا واللي احبه، نشبهك بصفاك، لانت ورقت قلوبنا، لما رق هواك، وصفونا في المحبة، هو صفاك، ما لناش لا احنا ولا انت، في الحلاوة مثيل.
أنا وحبيبي يا نيل، نلنا أمانينا، مطرح ما يرسي الهوى، ترسي مراسينا، والليل إذا طال وزاد، تقصر ليالينا، واللي ضناه الهوى، باكي وليله طويل.
أنا وحبيبي يا نيل، غايبين عن الوجدان، يطلع علينا القمر، ويغيب كأنه ما كان، بايتين حوالينا نسمع، ضحكة الكروان، على سواقي بتنعي، ع اللي حظه قليل يا نيل».
يا الله، فالمحبون يغيبون عن الوعي وهم جالسون على النيل، ويدخل الليل بقمره إلى أن يغيب أضواءه، والمحبون كما هم يستأنسون بالجلوس على النيل ولا يشعرون بقدوم القمر أو غيابه، ويكفيهم صوت الكروان. ولم يكن بيرم التونسي ولا أم كلثوم بعيدين عن حب النهر العظيم، فعندما وصف الشاعر النيل بأنه تحفة متصورة، تستكمل أم كلثوم الوصف وتطربنا وتقول «إن القدود بتميل على هبوب الهوا لما يمر عليل».. وبالنيل نال العشاق أمانيهم وحظهم قليل من هم حبوا بدون الجلوس على النيل. وبينما غني المصريون وشعراؤهم للنيل حبا فيه وفي بلدهم العزيز الغالي على قلوبنا، يخرج الشاعر الكبير فاروق جويدة بأحدث قصائده ويمزج فيها بين السياسي والوجداني، تحت عنوان «لا أنت مصر.. ولا السماء سماك»، وصور الشاعر بلده الحزينة واليائسة بسبب ما تمر به حاليا، فهو وإن كان عاش في مصر ورأى سماءها طويلا، فهو الآن لم يعد يراها مصر ولا السماء سماءها. فقد غلب اليأس جويدة وهو الشاعر الرومانسي، وأصبح حزينا على مصر التي تعيش فتنة أصابتها وأصبحت عيونها حائرة وتدمع على ما أصابها. ويواصل جويدة قائلا: سفك الدماء البيض فوق ثراك؟!غـرقت على شطيك كل سفائني، شاخ الزمان على ضفافك.. وانطوي، ركب السنين وضاع سحر شذاك، ماتت على شفتيك أحلام الصبا..هل سوء حظي أم جحود جفاك؟! قد طفت حولك ألف عام عابدا، ما كنت يوما هائما بسواك، أين النسائم والأصيل يضمنا، ما قلت شعري في الهوى لولاك.. خدعوك حين ترنمو بهواك، لم يبق منهم فارس يرعاك، زعموا هواك.. وفي المنايا هرولوا، لم يبق منهم حارس لحماك، ما أكثر العشاق في دنيا الهوى، لكنني وحدي الذي يهواك، مدي يديك تكلمي لأراك، خفت البريق وغاب سحر ضياك، عهد من الطغيان ولى.. وانقضى، ليجيء عهد في الضياع رماك، الأخوة الأعداء خانوا حلمنا، هدمــــوا عرينــا شيدته يداك.
كتبت قبل فترة، أنني وفي زيارة سابقة لي للقاهرة سألت مياه النيل الجارية: «متى ينتهي مخاض مصر الصعب؟.. ولكم حزنت، فلم تعد المياه تتحدث معي أو تناجيني كما كان عهدي بها سابقا، ثم توجهت بتساؤلاتي لذاتي هذه المرة، فلم أعثر على إجابة أيضا، وهنا أشفقت على مصر وعلى نيلها». ورغم خواطري آنذاك، إلا أنني على يقين بأن مصر ستعود بكل معانيها، مصر النيل، مصر الحب، وسيعود لها عاشقوها ليتنعموا بصباحها وسحرها، وليخطفوا دقائق أو ساعات أو أيام في حضرة نيلها العظيم، وسيجد شعراؤها كلمات جديدة يتغنوا بها في مصر، وستنهض من جديد قاهرة المعز وقاهرة صلاح الدين وقاهرة عبد الناصر، والقاهرة الغنية بالتاريخ والحضارة والتدين وأرض الرسل والأنبياء والتي ذكرها القرآن الكريم في مواقع عديدة لفظا ومعنى، وقاهرة الأمل. وكما قال الشيخ العريفي في وصف مصر، فهي الحضارة والتاريخ والدين، فكانت المكان الذي احتضن الأنبياء، والأرض التي كانت مكانا لخطوات الأنبياء والرسل عليها، وجاء إليها أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام وتزوج منها السيدة هاجر، كما جاء إليها يوسف عليه السلام وأصبح فيها وزيرا وتبعه إليها أبوه يعقوب.. ودار أعظم حوار بين الله عز وجل وبين موسى عليه السلام على أرضها· وإلى مصر لجأت العائلة المقدسة السيدة مريم العذراء والسيد المسيح طفلا ويوسف النجار وقاموا برحلة تاريخية مباركة في أرضها·· وقد اختار الله سبحانه وتعالى مصر بالذات لتكون الملجأ الحصين الذي شاءت السماء أن تكون واحة السلام والأمان على الدوام وملتقى الأديان السماوية. ولم يكن الموسيقار والمطرب الكبير محمد عبد الوهاب يقبل ليعيش كل حياته دون أن يغني للنيل العظيم، هذا النيل الخالد نبع الحضارة المصرية ومفجرها فكانت قصيدة «النهر الخالد» للشاعر المصري محمود حسن إسماعيل بلسما وطهرا لمياهه الصافية، فتخيل عبد الوهاب نفسه مسافرا على مياه النهر، وكان زاده في رحلته هي الخيال والسحر والعطر والظلال. فقال:
مسافر زاده الخيال والسحر والعطر والظلال.. ظمآن والكأس في يديه والحب والفن والجمال
شابت على أرضه الليالي وضعت عمرها الجبال.. ولم يزل ينشد الديارا ويسأل الليل والنهارا
والناس في حبه سكارى هامو على أفقه الرحيب.. آه على سرك الرهيب وموجك التائه الغريب.
وإذا كان إلى هذا الحد، تغنى المصريون في نيلهم ومصرهم ووطنهم، فإننا نحن العرب الذين عشقنا هذه البلد وأرضه وناسه نقول إن مصر هي مصر ستبقي حتى إن عانت يوما، فالقلب سيظل متعلقا بها، فمصر تسكن فينا كما أننا نسكن فيها، حتى لو كانت الروح بعيدة عنها. فعندما نسافر إليها ترتد الروح للجسد، فهواها لا يفارقنا، فالقاهرة بماضيها وحاضرها هي وطننا الثاني بكل أمانيه. فهي في القلب نبضٌ، وفي الأغنية الكلمة معنى، وهى الزاد في الرحلة، وستبقى رحيقا في الوجدان. فمصر هي البلد والوطن والأرض والنيل بعيدا عن مشكلات المورد والمصب.
نسأل الله العلي القدير أن يحفظ مصر ويجمع شمل أهلها، ويولي عليهم خيارهم واتقاهم.. اللهم من أراد بمصر وأهلها بسوء أو دبر لهم مكائد، فرد كيده في نحره واجعل تدبيره تدميرا عليه يا قوي يا عزيز يا رب العالمين.
كاتب بحريني