فنون السيرك.. من أجل مستقبل أفضل لأطفالنا

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٢٦/ديسمبر/٢٠١٦ ٠٤:١٠ ص
فنون السيرك.. من أجل مستقبل أفضل لأطفالنا

باميلا كسرواني

«تريد أن تكون مهرجاً! ماذا سيقول الناس عنّا؟» عبارة قد ردّدها العديد من الأهل لأولادهم عندما قرر هؤلاء أن يكتشفوا فنون السيرك وقد تعكس الصورة النمطية التي أحاطت بالمهرّجين والبهلوانيين لسنوات عدة لاسيما في العالم العربي.

إلا أن السنوات الأخيرة شهدت طفرة في المبادرات التي تجعل من الفنون عامة وفنون السيرك خاصة أداة للترفيه عن الأطفال. فبدءاً بمدرسة السيرك في غزة إلى «شمسي لفنون السيرك» في المغرب مروراً بـ«سيركنسيال» في لبنان وصولاً إلى «جمعية الفن في كل مكان» في مخيمات اللاجئين في تركيا، أرادت هذه المدارس أن تُؤمن فسحة أمل وسلام للأطفال المهمّشين لمساعدتهم في التنمية الجسدية والذهنية في أجواء ترفيهية من أجل اندماج أفضل في المجتمع وثقة أكبر في النفس.
لا شك أن كلّ من هذه المدارس تتميّز بأسلوب خاص بها وبفعالياتها الفريدة من نوعها إلا أن القاسم المشترك بينها يبقى أنّ البداية كانت دائماً لخدمة الأطفال الذين يعانون من الإهمال أو التهميش أو صعوبة في الاندماج بالمجتمع لتُطوّر لاحقاً نشاطاتها لتطال جميع الأطفال وحتى الكبار.
قبل الغوص في عالم السيرك وتأثيره الإيجابي، لا بد لنا أولاً أن نُعرّف عن هذه الفنون التي تنقسم إلى خمس فئات عامة هي: ألعاب الخفة، والحركات البهلوانية الجوية، والحركات البهلوانية الأرضية، والحركات الخاصة بالتوازن، وإضفاء المرح.

«سيركنسيال» لكسر الحواجز الاجتماعية

كما أشرنا في السابق، تعمل معظم مبادرات ومدارس السيرك في المنطقة العربية على تقديم بيئة أفضل للأطفال الذين يعانون من الصعوبات أو التهميش و»ســيركنسيال» اللبنانية ليســـت اســـتثناء. يخبرنا جوني جرجس، أحد الناشطين في هذه الجمعية ومدير الأبحاث والتنمية «كنت من أوائل الشـــباب الذين استفادوا من «ســـيركنســـيال» عام 2000. فحيـــنها، كنت جانحاً وأتابع برنامج إعـــادة تأهيـــل مع جمعية «أركنسيال». تعرّفت على فنون السيرك التي قلبت حياتي رأساً على عقب، فعدت إلى صفوف الدراسة ونلت شــهادة بالتربيـــة البدنية مع تركيز على فنون السيرك ثم حـــزت على ماجستير في علم النفس الرياضي وآخر في إدارة المنظـــمات غير الحكومية».
جرجس ليس الشاب الوحيد الذي استفاد من «سيركنسيال» لتغيّر مسار حياته. فـ«سيركنسيال» التي بدأت كمشروع لإعادة تأهيل ودمج الشباب الذين يعانون من مشاكل اجتماعية في 2002 تطورت مع السنوات، فالشباب الذين استفادوا من هذا المشروع وتعلّموا مختلف فنون السيرك تحوّلوا بداية 2012 إلى مدربين في هذه الجمعية التي أخذت هيكلتها الحالية لتكون سيركاً اجتماعياً ضمن جمعية «أركنسيال»، سيرك يريد أن يستهدف أولاً الشباب المهمشين اجتماعياً في لبنان مهما كانت جنسياتهم وإنما أيضاً جعل فنون السيرك جزءا من المناهج الدراسية من أجل تفعيل التواصل الإيجابي بين الأفراد بطريقة سليمة وممتعة في الوقت نفسه.
إضافة إلى النشاطات التي تنظّمها «سيركنسيال» في العديد من المناطق الريفية والنائية وحتى في المدارس الخاصة والرسمية اللبنانية، تفتح المدرسة في بيروت أبوابها للصغار والشباب والكبار وتقدّم لهم صفوفاً في 26 اختصاصاً من فنون السيرك. وهنا يقول جرجس «الصفوف مفتوحة أمام الجميع. نقترح التبرع بمبلغ 4000 ليرة لبنانية إلا أن هذا المبلغ ليس إجبارياً بل هو مساهمة صغيرة لاستدامة المدرسة لكننا نريده أن لا يكون حاجزاً أمام مشاركة الجميع حتى ممن لا يملكون المال».
يتابع جرجس أن المدرسة استقبلت عدداً كبيراً من الأطفال والشباب وحتى الكبار الذين حضر بعضهم مع أولادهم لينتهي بهم المطاف وهم يختبرون فنون السيرك أو أتوا للمشاركة في الفعاليات. ويبقى هدف «سيركنسيال» كما يقول جرجس «نعمل على الدعم النفسي والاجتماعي وهدفنا هو أن نتمكّن من دمج أكبر عدد من الشباب في المجتمع، لاسيما هؤلاء الذين يعيشون الحروب في الدول المجاورة كالسوريين والعراقيين لأن هؤلاء يعيشون أسوأ الحالات وغالباً ما نحتاج إلى البحث عنهم».

السيرك وتأثيره الإيجابي على الكبار والصغار

«لماذا نلعب دور المتفرج في حين نستطيع أن نكون من فنانيّ الأداء؟» يتساءل جرس متابعاً «ولدنا كمتفرجين. نشاهد كل ما يجري من حولنا ونواصل طريقنا». ويضيف «إلا أن السيرك يساعدنا على تغيير هذه الصورة النمطية لأنه يركّز على التعليم المعرفي والنشاط البدني والأنشطة النفسية والاجتماعية في آن واحد ويساعد الشبان على الاندماج في مجتمعاتهم».
فيرى جرجس أن ممارسة أي من فنون السيرك يساعد الفرد على كسب الثقة بالنفس ضارباً مثالاً بنفسه وبزملائه. «كنت منحرفاً ولم أكن أعرف كيفية التحدث مع الآخرين إلا أن السيرك فتح لي الباب أمام العديد من الفرص وتمكّنت من السفر والدراســة وأتحدث اليوم الفرنسية والإنجليزية وحتى الألمانية.. عشت ارتقاءً اجتماعياً.. جميع زملائي تمكنوا من التقدم نحو مستقبل أفضــل لأننا تعلــمنا من تجارب بعضنا البعض وتفاعلنا مع الآخرين».
ويعجز جرجس إلا أن يذكر التفاعل الذي يجري بين «طلاب» السيرك إذا صح التعبير الذين يحضرون إلى المدرسة، تفاعل يحدث بطريقة عفوية بين الأفراد. ويشرح لنا قائلاً: «لا نُجبر أحدا على التكلم مع الآخرين الأمر يحدث كالسحر. عندما نجمع بين نحو 50 طفلاً تتراوح أعمارهم بين 4 و12 سنة، ستجدون طلاب مدارس خاصة وآخرين من المدارس الرسمية أو الأحياء الشعبية. الجميع يتواصل، بغض النظر إذا كانوا كباراً أم صغاراً، وبغض النظر إذا كانوا سوريين، مصريين أم لبنانيين، هذا الأمر ينعكس بشكل واضح على احترام الذات».
ثقة واحترام للذات وقدرة على الاندماج في المجتمع، هذه ليست إلا بعضاً من التأثيرات الإيجابية لفنون السيرك على الشباب. فيضيف جرجس «السيرك يؤثر على الفكر والقدرة على التحليل والنظر إلى الآخر كما يعزز المهارات المعرفية. وهذه تأثيرات أظهرتها العديد من الدراسات العلمية».
فبالفعل، أجريت العديد من الدراسات العلمية حول تأثير فنون السيرك على الأفراد لاسيما في الدول الغربية. فعلى سبيل المثال، أظهرت دراسة في فنلندا أجريت حول مختلف برامج السيرك بين 2011 و2014 أهمية الفوائد الاجتماعية التي كانت واضحة على كل التركيبة السكانية. ومن بين هذه الفوائد، وجدت الدراسة أن المشاركة بفنون السيرك تعلّم الأطفال الصمود من خلال ارتكاب الأخطاء والتعلم منها كما تعلمهم أن يصبحوا أكثر ثقة بأنفسهم وتوفر لهم نشاطاً جماعياً هادفاً وممتعاً.
وأكدت دراسات أخرى هذه النتائج وأضافت أن السيرك يساعد أيضاً في تحسين المهارات الحركية والعمل الجماعي ويعزز من المخاطرة الإيجابية، سواء جسدية أو عاطفية، في بيئة آمنة ويساهم في إدراك أهمية الصحة البدنية ويُحسّن التواصل الاجتماعي والمهارات الريادية داخل مجموعة.
قد تكون كل هذه التأثيرات الإيجابية التي تنطوي عليها مختلف فنون السيرك كفيلة بكسر الصورة النمطية التي تحملها مجتمعاتنا العربية للمهرجين وبإقناع الأهل والسلطات التعليمية على أن هذه الفنون تُشكّل أداة تعليمية ومسلية جديدة تدفع بأطفالهم إلى الأمام بغية أن يكونوا عامل تغيير في مجتمعاتهم. وهنا يقول جرجس إن فنون السيرك تجمع بين مختلف النشاطات الرياضية والترفيهية والثقافية الأخرى التي اعتاد أن يختارها أطفالنا مضيفاً «نريد جميعنا التحلي بقوى عظمى.. والسيرك يمنحنا إياها. يكفي أن تحضروا إلى صفوفنا لتلاحظوا التحول الذي يحدث على الصعيد الفكري، والجسدي والنفسي. هو تحوّل كامل».
في عصر يفضّل فيه الأطفال ألعاب الفيديو والألعاب الإلكترونية على اللعب في الشوارع، قد تكون فنون السيرك بديلاً مقنعاً لهم لأن لا شيء يُضاهي الركض والتسلق والتوازن، وغيرها من الحركات الجسدية. ففي هذا النوع من اللعب، يتعلم الأطفال أن يتخذوا القرارات وأن يجدوا حلولاً لمشاكلهم. وفيه أيضاً، يتعلمون أن يكونوا أقوياء وأن يتّكلوا على أنفسهم. وفي عالم اللعب، يستعدون لمواجهة عالم الراشدين عبر التخلص من شبح العديد من المشاكل كالتوتر والنرجسية وفقدان القدرة الابتكار التي أظهرت العديد من الدراسات أنها تزايدت مع تراجع لعب الأطفال في السنوات الأخيرة.

متخصصة في الثقافة والمواضيع الاجتماعية