
علي ناجي الرعوي
وضعت التفجيرات والهجمات الإرهابية التي تعرضت لها مدينة عدن وغيرها من المدن والمحافظات اليمنية في الأشهر الأخيرة الأطراف المحلية والإقليمية والدولية أمام حقائق صادمة على رأسها أن استمرار الحرب في هذا البلد الذي صار منكوبا وتفرقت فيه أيادي سبأ ما بين نازح ولاجئ ومكونات اجتماعية تشظت وانقسمت وحركات مسلحة انخرطت في هذه الحرب لتستفيد من دعم وأموال توفرها بعض الجهات وأطراف خارجية وجدت في الساحة اليمنية ساحة مناسبة لتصفية حساباتها مع بعضها البعض، هو وضع لم يستفد منه فقط مصنعو الأسلحة وإنما أيضا الجماعات الإرهابية ومنها تنظيم (داعش) الذي يطلق على نفسه (تنظيم الدولة)، والذي لم يكن في حسبان أحد أن يظهر في اليمن بتلك الدرجة من الوحشية والنزوع الطاغي نحو سفك الدماء وارتكاب المجازر المروعة، والتي كان آخرها التفجير الانتحاري الذي استهدف الأحد الفائت تجمعا كبيرا من العسكريين الأمنيين بالقرب من معسكر الصولبان في قلب مدينة عدن، وراح ضحيته العشرات بين قتيل وجريح، بعد أسبوع واحد فقط من التفجير الذي طال نفس المعسكر وأسفر عن مجزرة بشعة بين جنود ذلك المعسكر وهذه التداعيات شديدة الخطورة لا شك وأنها من مثلت هزة عنيفة للجميع باعتبار أن تنظيم (داعش) لا يمتلك الحاضنة الاجتماعية في هذا البلد عوضا عن أن تنظيم (القاعدة في جزيرة العرب) الذي يتخذ اليمن مركزا لأنشطته هو من ظل يرفض أن ينافسه أي فصيل آخر في مربعات استقطاباته في السنوات الفائتة، وهو الأمر الذي بدا في نظر الكثيرين حالة من حالات تبادل الأدوار بين الجماعات الإرهابية التي تستميت من أجل رفع علم خلافته المزعومة فوق الأراضي اليمنية مستغلا تفكك الدولة وتعطل المسار السياسي والفراغ الناشئ عن الأوضاع التي أفرزتها الحرب وعينه طبعا ليس على اليمن وحسب وإنما على كل المنطقة.
لقد تمكن (داعش) من تنفيذ عشرات التفجيرات واغتيال العديد من المسؤولين الكبار في مدينة عدن التي توجد فيها حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي وقواتها المدعومة بقوات إماراتية وسعودية وسودانية في حين كان من المفترض أن تكون هذه المدينة وبعد 15 شهرا من عودتها إلى أحضان الحكومة المسنودة من التحالف العربي آمنة ومحصنة من اختراقات الجماعات الإرهابية، إلا أن فورة النشاط الإرهابي لتنظيم (داعش) في هذه المدينة وغيرها من المحافظات الجنوبية قد دل على أن استمرار الحرب المتصاعدة في اليمن منذ أكثر من عشرين شهرا لا يستفيد منه سوى هذه التنظيمات الإرهابية وتجار الحروب، فقد تأكد تماما أن (داعش) قد نجح خلال فترة الحرب في توطين الكثير من أنشطته على الساحة اليمنية بعد أن تمكن من نقل العديد من عناصره من سوريا والعراق إليها وهي العناصر التي لن يكون خطرها محصورا داخل الحدود اليمنية ولكنه الذي سيمتد إلى الأمن الإقليمي والدولي في هذه المنطقة الحيوية والحساسة من العالم.
قبل فترة ليست بعيدة أصدر تنظيم (داعش) بيانا عبر قنواته الإعلامية على شبكة الإنترنت دعا فيه القاعدة وزعيمها في جزيرة العرب قاسم الريمي إلى مبايعة البغدادي كخليفة للمسلمين وإلى قتال ثلاثة أطراف حددها البيان بـ: قوات التحالف العربي والمليشيات والقوات التي تقاتل معها من العناصر اليمنية فضلا عن نظام هادي الذي اعتبره البيان حليفا لقوى الاستكبار العالمية وكان لافتا كما أشار أحد الباحثين إلى أن تلك الأطراف جميعها هي من تقف ضد خصوم (داعش) وهم جماعة أنصار الله، الذين اعتبرهم هذا التنظيم في بيانات أخرى الخصم الأول في اليمن، فالرئيس هادي والموالون له وداعموه من قوات التحالف العربي هم قوة تقاتل جماعة أنصار الله التي سبق لداعش تدشين وجوده باستهداف مساجد محسوبة عليها بصنعاء وهو ما فسره البعض تغييرا في استراتيجية هذا التنظيم الغرائبي، الذي ربما يعمل من خلال هذا التغيير على استقطاب رموز القاعدة البارزين إلى صفوفه وبالذات تلك الرموز التي كانت تدين بالولاء لزعيم تنظيم القاعدة في اليمن ناصر الوحيشي، الذي قتل في العام الفائت في إحدى ضربات طائرة بدون طيار الأمريكية والمعروف عن الوحيشي أنه رفض مبايعة البغدادي لكونه من يعتبر نفسه استمرارا لمدرسة أسامة بن لادن التي لا تتبنى القتال على أسس طائفية لذا لا يستبعد أن يكون داعش بهذا التغيير في استراتيجيته إنما أراد بذلك المزاوجة بين النهج الذي بذره الوحيشي في عقول اتباعه ومنهم خليفته قاسم الريمي وبين الفكر الذي يعتنقه داعش وبما يسمح لهذا التنظيم بإغراء بعض أعضاء القاعدة للانضمام إلى صفوفه ولما من شأنه تمكينه من بلوغ أهدافه في السيطرة على المزيد من الأرض وتكريس مشروع الدولة الإسلامية في اليمن وتعويض أية خسارة قد يتعرض لها في سوريا والعراق.
لقد توغل (داعش) في اليمن وسط مراقبة العيون الإقليمية والدولية واستطاع هذا التنظيم إحكام قبضته على مناطق عدة مستغلاً أوضاع الحرب وتفتت أشلاء الدولة وانتشار الفوضى وعمليات التسليح العشوائية وتلك مسألة تثير أكثر من علامة استفهام، إذ لم نجد حتى الآن أي فعل إقليمي أو دولي في مواجهة هذا التهديد الذي قد يتسبب به تمدد تنظيم (داعش) في الساحة اليمنية وإثبات وجوده ككيان على الأرض وليس كأداة تنفيذية لعمليات مستقلة على الرغم من أن هذا التنظيم صار يتحرك بكل حرية وقد كشف قبل أيام عن تخريج ثلاث دفعات من منتسبيه في دورات تدريبية قتالية في محافظات يمنية جنوبية هي عدن أبين حضرموت.. وأمام هذا الخطر الماحق فلابد للمجتمع الإقليمي والدولي أن يتحمل مسؤوليته السياسية والأخلاقية انطلاقا من الاضطلاع بدوره في وضع حد للحرب القائمة ومساعدة اليمنيين على إعادة الاستقرار إلى بلادهم والتصدي لآفة الإرهاب التي تنهش بالجسد اليمني وتتهيأ إلى النفاذ إلى كل المناطق الحساسة في الإقليم.
كاتب يمني