
محمد سيف الرحبي
بحرين من.. الثقافة
قلت للمتحمسة ازمرالدا قباني، مديرة العلاقات العامة والبرنامج الثقافي في مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفه للثقافة والبحوث أني في آخر زيارتين لي إلى البحرين اكتشفت بلدا جديدا كأنه لا يشبه الذي زرته سابقا عدة مرات.. البحرين الحقيقية بهويتها الأصيلة، حيث لا تعبر عنها المجمعات التجارية أو الفنادق التي يجدها السائح في أي بقعة من العالم ولا يمكنها أن تقارن بها ما لدى دبي على سبيل المثال.. الأقرب.
رأيت عالما ثقافيا يجري بناؤه على مهل ليرى السائح عبره بلدا عظيما.. قوته في تاريخه وهويته المتجذرة..
في المسرح الوطني إبداع راق، حيث يطل المسرح ببهوه على البحر بجوار المتحف يحاكيه في الحسن تصميم يتخذ شكل السفينة وعلى الحيطان أصداف تتخذ من جارها البحر هويته ورعايته، أما تصميمه الداخلي فتحفة رائعة وكأنما المسرح حي بدون عرض على خشبته.. الخشب المتماوج يصنع لوحة مع مقاعده الألف فيكتسب المشهد أمام الخشبة قيمة جمالية تحسب للمشهد الثقافي الذي تصنعه البحرين وتشرف عليه الشيخة مي آل خليفة كونها وزيرة الثقافة.
لكن هذه الوزيرة، وبموازاة إبداعها على المستوى الرسمي، تتولى زمام مؤسسة أهلية هي مركز الشيخ إبراهيم آل خليفة.. ولهذا المركز حكاية لا يدركها إلا من يزور المحرق ويدخل إلى ما يفعله المركز من صناعة حقيقية للثقافة والحفاظ على التراث وهوية الأرض والمكان في تحولاته، حيث يكون أحوج ما يكون لعمقه الحضاري.
يعملون على 28 مشروعا ثقافيا عبر هذا المركز، حيث حولوا حتى اليوم 22 بيتا قديما إلى متاحف فنية لكل منها هويته، فبيت تاجر اللؤلؤ بن مطر به تاريخ صيد اللؤلؤ وحكاية إنسان عرف عنه الخير، حيث سمي أبو الأرامل واليتامى لرعايته لهم وأيضا مراسلاته كتوثيق لتاريخ مهم في مسيرة حضارة البحرين.. وبيت الشاعر إبراهيم العريض تحفة فنية عن هذا المبدع لدوره في مجد البلد الثقافي مع مقتنياته ومكتبه ورسالة من الرئيس جمال عبد الناصر معلقة على إحدى الزوايا.
في بيت بن فارس ترهف الروح لفن الصوت وهو يتجلى بصوت وعود الفنان الشهير بن فارس فالحظ على إحدى الزوايا أسطوانة عليها اسم شركة تسجيلات سالم فون فأتساءل أين ضاع أو أضعنا تراث سالم بن راشد الصوري.
كل خميس هناك جلسة طرب تستعيد التراث الموسيقي الذي تركه ابن فارس يحضره عشاق فن الأصالة كما عرفه أبناء الخليج وهم يذرعون البحار ويزرعون على الموانئ قامات حضورهم وأسفارهم.
أمكنة تتوالى.. كل بيت أجمل من سابقه.. الشرفات العتيقة لا تطل على البحر كما اعتادت حيث تمددت اليابسة على الماء لكنها تطل على جمال أعاد الحياة إليها فتشرق من جديد شمسا لا يغفل الناظر نورها.
إنما.. يبدو أن الصورة ما زالت مغلوطة لدى القائمين على الإعلام والسياحة، حيث لا يحرصون على أن يرى ضيوف البحرين بحرين أصيلة تنطق بهوية المكان.. بعيدا عن معمار متكرر تعرفه كل الدنيا.