قصص ملهمة من تحدي القراءة العربي

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ١٩/ديسمبر/٢٠١٦ ٠٤:٠٠ ص
قصص ملهمة من تحدي القراءة العربي

باميلا كسرواني

«أول كتاب يمسكه الطلاب يكتب أول سطر في مستقبلهم»، مقولة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي وهو يتحدث عن أهمية القراءة التي اعتبرها مفتاح المعرفة مشدداً على أن «غرس حب القراءة في نفوس الصغار هو غرس لأسسِ التقدم والتفوق لبلداننا».

وفي هذا السياق، أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد «تحدي القراءة العربي 2016» في سبتمبر 2015 من أجل تشجيع الطلاب في العالم العربي على القراءة وغرسها عادة لديهم تفتح عقولهم وتوسع آفاقهم؛ مسابقة للقراءة باللغة العربية بجوائز تبلغ قيمتها 3 ملايين دولار سنوياً، يُشارك فيها طلاب من الصف الأول الابتدائي إلى الصف الثاني عشر من المدارس المشاركة من مختلف أنحاء العالم لقراءة ما لا يقل عن خمسين كتاباً لكل طالب خارج المنهاج الدراسي سنوياً.
هذه المسابقة التي استهدفت عند إطلاقها مليون طالب لقراءة 50 مليون كتاب شارك في دورتها الأولى أكثر من 3,5 مليون طالب وطالبة من 21 دولة - 16 دولة منها في العالم العربي – قرؤوا أكثر من 150 مليون كتاب، وقام على الإشراف على المشاركين ومتابعتهم أكثر من 60 ألف مشرف على مدار العام. وفاز بالدورة الأولى لتحدي القراءة العربي الطفل الجزائري محمد عبد الله فرح البالغ من العمر 7 سنوات بجائزة مالية قدرها 150 ألف دولار، 100 ألف منها تخصص لتغطية تكاليف دراسته، في حين تمنح الـ 50 ألف الباقية لأسرته تكريماً لجهودها ودعمها. أما الجائزة الكبرى للمدارس البالغة مليون دولار ففازت بها مدرسة طلائع الأمل الثانوية من فلسطين، من أصل خمسة مدارس بلغت المرحلة الأخيرة من التحدي.
رسالة واضحة لمسابقة على مستوى الوطن العربي لم تؤكد عليها المشاركة والاهتمام الكبير فحسب لا بل أيضاً العديد من قصص الأطفال الملهمة التي عكست حب المطالعة مهما كانت الصعوبات.

الاستسلام ليس خياراً

بالفعل هذا ما أثبتته المغربية كوثر حميداني، الطالبة في السنة الثانية بكالوريا في القسم الأدبي. ففي اليوم الثالث بعد قبولها في «تحدي القراءة العربي»، كان ينتظر كوثر خبرٌ من شأنه أن يقلب حياتها بالكامل.
«كوثر، أنت مصابة بسرطان الدم!»؛ خبر نزل عليها وعلى أسرتها كالصاعقة تلك الليلة. إلا أن ردة فعلها جاءت غير متوقعة لتقول «كان اليوم طويلاً، وقد حان وقت النوم، غداً لدي دروس كثيرة وتحضيرات لمسابقة التحدي، ولا بدّ أن آخذ قسطاً من الراحة، تصبحون على خير».
ظنّ الجميع من حولها أنها في مرحلة من إنكار المرض ليتفاجؤوا في اليوم التالي من أن كوثر لا تزال محتفظةً برباطة جأشها وكانت قد اتّخذت قرارها: ستبدأ كفاحها ضد المرض، إلا أن ذلك لن يعطّلها بأي شكل من الأشكال عن مسابقة تحدي القراءة أو عن دراستها في البكالوريا. «لم أفكر أبداً في الاستسلام، فهو ليس حلاً، إنما اعتبرت أن الإرادة والعزيمة القوية هي التي تؤدي إلى النجاح»، بهذه الكلمات اختصرت كوثر قرارها.
فهذه الطالبة اهتمت بالقراءة منذ الصغر وكانت حريصة مع زملائها على تخطي عقبة عدم توفُّر الكتب داخل المدرسة، من خلال تبادل الكتب في ما بينهم. واستطاعت كوثر أن تثبت أن لا شيء يحول بينها وبين التفوّق، حيث حقّقت المرتبة الخامسة على المستوى الوطني في مسابقة تحدي القراءة.

ويعبّر حسن الكراخي، أستاذ اللغة العربية، عن فخره واعتزازه بطالبته كوثر، قائلاً: «إنها تلميذة مجدّة، ومعروف عنها هنا في المدرسة حبّها الشديد للجد والعمل، وســعيها للوصول إلى المعرفة من مصادر مختلفة، وهذا هو الســـبب وراء شــغفها الــدائـم بالمطالعــة».

طموح لا يعرف العمى

جنا مكرم أبو كامل، فتاة لبنانية عمرها 12 سنة، طالبة بمدرسة رؤوف أبو غانم في الصف السابع، تعشق الموسيقى والمطالعة. عانت جنا من ضعف شديد في البصر، تفاقم بمرور الزمن حتى باتت اليوم شبه كفيفة. إلا أنها لم تدع وضعها يقف حاجزاً أمام طموحاتها.

فبعد أن لاحظ القيّمون على مركز تأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة قدرتها على التعلم والاستيعاب السريع، بادروا إلى نقلها إلى مدرسة رسمية حيث لازمتها مربيتها ومعلمتها «مِس جومانة» التي كان لها دور محوري في حب جنا للقراءة والمطالعة.
وقد يكون الكتاب الأكثر تأثيراً في حياتها، رواية «طيور أيلول»؛ فقد وجدت جنا في بطلتها سمات كثيرة تجمعها بها، فـهي مثل بطلة الرواية «منى»، قوية الشخصية، صبورة، ولا تستسلم لبعض العادات والتقاليد التي تقف حجر عثرة أمام تحقيق طموحاتها.

لم تكن حياة جنا سهلة بل تعرّضت للكثير من المواقف السلبية؛ فلم يكن زملاؤها في المدرسة يلعبون معها خوفاً عليها، لكنهم اكتشفوا أنها قادرة على اللعب، وقادرة على أن تنجز واجباتها المدرسية بتفوق، وحتى على مساعدتهم.
بهذه الطريقة بَنَتْ جنا ثقتها بنفسها، وثقة الآخرين فيها. هكذا تخبرنا عمتها، هبة أبو كامل، معلمة اللغة العربية التي تولت تربيتها بعد غياب والدتها المفاجئ: «كنت أحثّها دائماً على ألا تتهرب من إخبار من حولها بأنها كفيفة، لكن في الوقت نفسه، علّمتها ألا تقبل منهم أي عطف أو مساعدة، فهي لا تحتاج الآخرين إلا بقدر احتياجهم لها».
أصبحت جنا من الطالبات المتفوقات في مدرستها الجديدة، حيث حازت على المرتبة الأولى في جميع المراحل الدراسية، مما أثار انتباه مدير المدرسة الذي دعمها ووفر لها بيئة تساعدها على الإبداع والتميز. فبالإضافة إلى كونها قارئة نهمة، تنظم جنا الشعر وتكتب القصة القصيرة، حيث تطرح في قصصها قضايا ذات بعد اجتماعي وإنساني.

حب التحدي

على الرغم من أن إكرام حمادين في الخامسة عشرة من العمر فقط، إلا أنها تبدو أكثر نضجاً وحكمةً. وتخبرنا ابنة فلسطين عن علاقتها بالقراءة، متذكرةً أول الكلمات التي تسرّبت إلى خيالها: «بدأ حبي للقراءة عندما قرأتُ أول قصة بعنوان «الرِجل المقطوعة» للكاتب خالد جمعة؛ أحببتُ القصة التي تروي حكاية كلب قُطعت رجلُه وساعده عصفور على تجاوز محنته. بعدها، بدأتُ أميل إلى حكايات البطولات ومن أحبها إلى قلبي شخصية الزعيم الهندي المهاتما غاندي».
إكرام اكتسبت ثقة أكبر وإيماناً أكبر بقدرتها على تغيير واقعها بفضل عالم الحكايات والبطولات الذي تعرّفت عليه بالقراءة. ولم يكن إلا طبيعياً أن تشـــارك في «تحدي القراءة العربي» حتى لو أنّ مشـــاركتها كانت رحلة محفوفة بالمشقات.
رحلة يختصرها الأستاذ سعد، مدرس التربية الرياضية والصحة ونائب مدير مدرسة «عرب الجهالين» في وادي أبو هندي، «لاحظتُ حب إكرام للقراءة منذ صغرها، إذ كانت متميزة عن زميلاتها» ويستذكر «عندما تم الإعلان عن مسابقة تحدي القراءة العربي كنت من الأوائل الذين شجّعوها على الاشتراك، وكنتُ واثقاً من قدرتها على تخطي العوائق. كل الطلاب يعيشون معاناة كبيرة هنا، فالمنطقة تفتقر إلى المياه والكهرباء والمواصلات، وتتمثل العوائق الأخرى في انعدام وسائل الاتصال الحديثة، مما يجعلنا نحن مصدر المعلومات الوحيد للطلاب. عندما دخلت إكرام تحدي القراءة العربي، واجهنا صعوبةً في الحصول على الكتب والموضوعات. قراءة 50 كتاباً تشكّل تحدياً كبيراً، والتحدي الأكبر بالنسبة لنا الحفاظ على سلامة إكرام».

ويتابع «فكان يجب أن تذهب سيراً أو على الدابة وتعبر بين المستوطنات وتتعرض لخطر الدهس، فضلاً عن الظروف المناخية القاسية؛ فالحرّ شديد في الصيف وفي الشتاء برد قارس. كل هذه المخاطر والتحديات جعلت من فوز إكرام حدثاً هاماً يروي حكاية التحدي الفلسطيني بشكل عام ويمثل مصدر إلهام وفخر لنا جميعاً».
حكاية إكرام التي نجت من الحرّ والبرد ووصلت إلى نهائيات تحدي القراءة العربي تجد سرّها في حكاية الخروف «حنتوش»؛ القصة الأولى التي كتبتها أختها صالحة حمادين وفازت عنها بجائزة هانز كريستيان الدولية للقصة الخيالية من بين 1200 طفل من جميع أنحاء العالم. فالشقيقتان اللتان يجمعهما شغف القراءة، مدينتان للحكايات؛ فهذه الحكايات منحتهما الأمل والقوة والإصرار على النجاح.

القراءة بوابة العالم

عندما وصل إلى مسامع رضا عبد الله المصرية محمد خبر انطلاق «تحدي القراءة العربي» عرفت أنها أمام تحدٍّ صعب، يفوق في صعوبته قراءة خمسين كتاباً في عام دراسي واحد، فثمة تحديات أخرى يفرضها واقع اجتماعي وثقافي في الريف يتعيّن عليها التعامل معها.
إلا أنها كانت محظوظة لأنها كبُرت في حضن أبوين يدركان أن القراءة أمر مهم. فبين رضا والتفوّق «عِشرة عمر»؛ فهي الأولى على الفصل في الثالث ثانوي، فرع الأدبي، بمعهد فتيات مشطا الإعدادي الثانوي.
لكن تحدي القراءة وضعها أمام عقبات كثيرة؛ أولها الوصول إلى الكتب التي تؤهّلها للاشتراك في المسابقة، وثانياً الحفاظ على تفوّقها الدراسي، وثالثاً قطع المسافات من سوهاج، في صعيد مصر، إلى القاهرة للمشاركة في النهائيات. وهنا تقول رضا: «نفتقر في منطقتنا إلى المكتبات العامة، فعلى الرغم من انتشار التعليم إلا أن القراءة ليست عادة منتشرة. عن نفسي، كنت محظوظة لأنني نشأتُ وسط عائلة تدرك بالفطرة أن القراءة هي نبع المعرفة». وتتابع رضا بالقول: «كان أمامي تحديان: أن أحافظ على تفوّقي الدراسي، وأن أقرأ الكتب التي تؤهلني لبلوغ النهائيات. فكنت أقرأ من الساعة السابعة مساء وحتى التاسعة يومياً، وهما ساعتان مكثَّفتان تتطلبان تركيزاً واجتهاداً، حريصة بألا يكون استعدادي للمسابقة على حساب تحصيلي العلمي».
كل فرد في عائلة رضا شارك في هذا التحدي. الأخت الكبرى كانت تؤمّن لها الكتب. أما باقي أفراد الأسرة فكان عليهم أن يقضوا الليل من دون تلفزيون ليوفّروا لها أجواء هادئة للتركيز في القراءة.
وعندما تم اختيارها بين الثلاثة الأوائل المرشحين، كان عليها الانتقال من سوهاج إلى القاهرة حاملة خوفها وفرحها في قلب واحد. وتستذكر قائلة «غادرنا سوهاج الساعة الثامنة مساء، وانتظرنا حتى الساعة الحادية عشرة ليلاً لنركَب الاتوبيس (الحافلة). وصلنا القاهرة في السابعة صباحاً، وكنا في قاعة المؤتمرات عند الساعة التاسعة. كنتُ على أتم الاستعداد للمسابقة».

رضا قبل التحدي ليست هي نفسها بعده. إصرارها على قراءة 50 كتاباً لتُثبت تميزها وتفوقها عمل على توطيد علاقتها بالكتاب، وضاعف شغفها بالمعرفة. لم تعد القراءة مجرد هواية، بل شــرطاً أســاسياً لتطوير الذات والتأثير في البيئة من حولها؛ شرطٌ سارِ المفعول للجميع وليس فقط لرضا.

متخصصة في الثقافة والمواضيع الاجتماعية