
جورج وايز
ركزت منظمات الصحة والمبادرات على مستوى العالم – وبشكل خاص منظمة الصحة العالمية – على نحو تقليدي على الأمراض المعدية مثل الملاريا والجدري. لكن كان هناك دوما حيز ضيق للصحة العالمية فيما يتعلق باستهداف الأمراض المزمنة غير المعدية في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط. ومع إحراز هذه الدول تقدماً فيما يتعلق بالتنمية، فإن الضغط لتوسيع هذا الحيز يشهد تزايداً كبيراً.
وفي هذا الإطار، برز برنامجان: أحدهما يخدم أوروبا الغربية، وآخر أطلق عليه اسم الصحة البينية (إنتر-هيلث) وركز على مجموعة مختلطة من الدول، بدءاً من تشيلي وتنزانيا إلى فنلندا والولايات المتحدة. ويتمثل هدف إنتر-هيلث في تنسيق مجموعة من المشاريع المحلية التجريبية من أجل تطوير نموذج برنامج مرن يتم تطبيقه على الدول التي تمر بمراحل تنمية مختلفة.
وكانت هذه خطوة في الاتجاه الصحيح. لكن، ولسنوات عديدة ظلت هذه الخطوة تقريبا هي الخطوة الوحيدة التي اتخذتها منظمة الصحة العالمية فيما يتعلق بالأمراض غير المعدية في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط. ثم، وفي العام 1993، حدد تقرير التنمية العالمية ودراسة العبء العالمي للأمراض حجم مشكلة الأمراض غير المعدية في الدول ذات الدخل المنخفض، حيث مثل ذلك اختراقا مدعماً بالأدلة بالنسبة للعمل النشط المتعلق بالأمراض غير المعدية.
وردت منظمة الصحة العالمية على هذا الاختراق – والنقد الذي تسببت في إثارته – بإصلاحات ضخمة تحت قيادة جرو هارلين برونتلاند التي عملت مديرا عاما لمنظمة الصحة العالمية في الفترة بين عامي 1997 و2002. وقد عملت المنظمة على زيادة حشد التأييد ووسعت برنامجها للأمراض غير المعدية عن طريق تزعم ائتلاف متنامي لحشد التأييد لهذا الموضوع، فوضعت منظمة الصحة العالمية نفسها موضع الزعامة في مكافحة الأمراض غير المعدية.
لكن جميع هذه الجهود لم تسفر سوى عن نتائج مختلطة. فبالرغم من زيادة المطبوعات المرتبطة بالأمراض غير المعدية، لكن التمويل كان بالكاد يجاري المتطلبات الأساسية حيث تراوح ما بين 1 إلى 3 بالمئة من إجمالي مساعدات التنمية الصحية. ونتيجة لذلك، يبدو أن معظم الحكومات في الأقاليم ذات الدخل المنخفض أحرزت تقدما ضعيفا نسبيا في مواجهة الأمراض غير المعدية، إذ كانت التقييمات الأخيرة مخيبة للآمال.
بالمقابل، سلطت العديد من التقارير الضوء على التهديد الذي تمثله الأمراض غير المعدية في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط. ففي حين يوجد إجماع عام على الحاجة إلى إيلاء المزيد من الاهتمام – وتقديم المزيد من الموارد – لمكافحة الأمراض غير المعدية، إلا أن الإجماع يتقلص عندما تصل الأمور إلى كيفية مكافحة هذه الأمراض وتوزيع التمويل.
وعلى الرغم من كافة الاختلافات، إلا أن الجميع يتفق على نقطة حاسمة واحدة: التمويل. وقد يلقي البعض اللوم على منظمة الصحة العالمية، بسبب بيروقراطيتها المفرطة والتسييس الذي لا مفر منه أحيانا، إلا أن السبب الأساس هو الميزانية المحدودة لمنظمة الصحة العالمية والتي تركز فيها على الأمراض المعدية.
والحقيقة هي أن الأمراض المعدية تحمل تأثيرات ومخاطر فورية، وتهدد الحياة، وقادرة على الانتشار على نطاق واسع بفضل وسائل النقل الحديثة مما يستدعي مكافحتها بصورة مباشرة، في حين أن الأمراض غير المعدية تتطور ببطء وتؤثر بصورة رئيسية على البالغين الأكبر سناً، ويصعب معالجتها بأسلوب تكنولوجي سريع.
وعلى الرغم من ذلك، فقد تتغير التوجهات تماماً لناحية مكافحة الأمراض غير المعدية، حيث يستمر التجاوب الإيجابي مع محاولات حشد التأييد لهذا الموضوع. وقد تم إنشاء تحالف الأمراض غير المعدية لشرق أفريقيا - وهذا التحالف الجديد عبارة عن ائتلاف فضفاض لمنظمات المجتمع المدني - لمعالجة التحديات في هذه المنطقة. ومع زيادة الاهتمام بالأمراض غير المعدية، فإنه من المرجح أن تبدأ الموارد بالتدفق وإن كان ببطء.
وبالطبع، وفي حال تزايد التمويل، ستنشأ خلافات شديدة حول كيفية استخدام هذه الموارد. إلا أنه وبعد ستين عاماً من مواجهة الأمراض غير المعدية في الدول المتقدمة، أصبح من الواضح أن التدخلات الحادة عادة ما تجتذب المزيد من الدعم. وعلى أية حال، يأمل المرء أن هناك دروساً قد تم تعلمها من خبرتنا التي تمتد لعقود في مكافحة الأمراض غير المعدية وأن هذه الدروس يمكن تطبيقها في الأوضاع الأكثر تحديا والأكثر فقرا من حيث الموارد في العالم النامي.
أستاذ التاريخ الطبي في جامعة مكجيل