هزيمة الإرهاب واجب عربي عاجل

مقالات رأي و تحليلات الأحد ١٨/ديسمبر/٢٠١٦ ٠٦:٣٦ ص
هزيمة الإرهاب 

واجب عربي عاجل

أحمد المرشد

من المؤلم أن نصبح ونمسي على أعمال إرهابية في كل مكان في العالم، إن لم يكن في أوروبا تكون أمريكا ساحة لواقعة إرهابية، وإن لم تكن مدينة أمريكية نصبح على حادث في أحد المدن الأوروبية، هذا ناهيك عما تشهده المنطقة العربية من حوادث إرهابية أصبحت يومية، فلا يكاد يمر يوم إلا ونرى فيه قتلى وضحايا أبرياء، وكانت مصر هي الضحية نفسها لمثل تلك الأحداث الشيطانية الأسبوع الفائت حيث استشهد 6 ضباط وجنود بجوار أحد الأكمنة الشرطية بقرب مسجد بشارع الهرم الشهير بمدينة الجيزة المصرية. وكان من المفترض أن يتحدث إمام مسجد السلام بالمناسبة، عن كيف يطمئن المؤمن ويعيش آمناً في حياته، هذا بجانب تركيز خطبة يوم الجمعة يوم عيد المسلمين في كل أرجاء الأرض، عن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف وكيف نتأسى بأخلاق سيدنا محمد وصفاته الحميدة.. إلا أن إمام المسجد خطب في المصلين عن مخاطر الإرهاب وكيف أن الإرهابيين لا دين لهم.

وبينما كان المصريون يحتفلون بذكرى المولد النبوي الشريف في يوم إجازة رسمية لعموم العاملين بمصر، لم يتورع الإرهابيون عن اقتحام كنيسة وقتل 25 شخصاً كل ذنبهم أنهم كانوا يؤدون شعائرهم الدينية يوم الأحد كالمعتاد، ولكن الإرهابيين كان لهم رأيا آخر، فهم لا ينطلقون من تعاليم الأديان، فضربوا المسجد والكنيسة وكان الضحايا مصريين، وكان ذنب الضباط والجنود أنهم يحرسون حرم مسجد السلام، فلم يتورع الإرهابيان اللذان فجرا قنبلة فيهم وهم جالسون عن إزهاق أرواحهم البريئة، وقد ذهب هؤلاء الشهداء إلى مقر عملهم ليؤمنوا غيرهم من الغدر، فكان أن غدر الإرهابيون بهم، ليموت من يموت ويبقى الناجون بعاهات وإصابات خطيرة.

ولم تمر سوى ساعات، من الجمعة إلى الأحد، وكلاهما عيد، لدى المسلمين جمعتهم وهو خير الأيام عند الله، ولدى المسيحيين أحدهم وصلاتهم الأسبوعية، ليتسلل أحد الإرهابيين وينسف نفسه وسط المصليات.. هؤلاء الإرهابيون لم يراعوا حرمة المسجد أو الكنيسة، وكلاهما معبد للصلاة والخشوع والسكينة والسلام، فهذا هو عنوان أي مكان عبادة، ولكن الفجرة الأشرار الذين يدينون بدين غير الإسلام، يسابقون الزمن لقتل النفس التي حرم الله قتلها، فمن قتل مؤمنا كمن قتل العالم كله، ولكن هؤلاء الذين يسلمون أرواحهم وعقولهم لأمراء الشر والكفر ينفذون كل ما يطلب منهم حتى وإن كان إزهاق النفس التي حرم الله قتلها.
وبحكم قربي من المصريين وصداقتي بالعديد منهم، فكلهم بلا استثناء يروون حكايات رائعة عن المساجد والكنائس، فكثيرا ما يوجد المسجد بجوار الكنيسة حتى يخيل للناظر لهما عن بعد أن الهلال يعانق الصليب، وهذا في الواقع هو حال كل المصريين، لا تفرق بينهم الديانة ولا المنطقة.
وإذا كنا تحدثنا أو تحدثت كل العالم عن تفجيري مسجد السلام والكنيسة البطرسية في قلب القاهرة على مدى فاصل زمني لا يزيد عن 48 ساعة تقريبا، فثمة حدثين إرهابيين آخريين لم يتحدث عنهما سوى المصريين بحكم اعتيادهم على مثل هذه العمليات الآثمة، الأول في قلب منطقة الدلتا والثاني في صعيد مصر..وكأن لسان حال المصريين يقول :»دع الإرهابيون يفعلون ما يريدون.. ونحن لن ننكسر وستمضي حياتنا كما نريد».
وإذا كان الإرهابيون يختارون أوقاتا محددة لتنفيذ عملياتهم الدنيئة، فهم يريدون قتل أكبر عدد ممكن من الضحايا، فهم يساوون بين أبناء المسلمين وأبناء المسيحيين، فمثلا في حادث مسجد السلام، استعجل الإرهابيون قنص الهدف فجاء في الضباط والجنود، ولكن التعليمات الصادرة لهم كانت قتل المصلين أنفسهم، خاصة وأن معظم مساجد مصر تفرش خارجها ما يسمى بـ»الحصير» وهو فرش بديل بلاستيكي عن السجاجيد التي تفرش بها المساجد في العادة، وقد يكون هناك مئات المصلين خارج المسجد في صلاة الجمعة، وهنا يتأكد لنا أن الهدف واحد، وهو النيل من أرواح المسلمين والمسيحيين معا.
من المؤلم حقاً، أن يتعرض مصل أياً كان دينه، للقتل وهو يؤدي شعائره في معبده، لم نر هذا سوى في الحروب، أما أن ينتظر الإرهابي ضحاياه وهم في لحظة سلام مع النفس، لحظة يخاطبون فيها ربهم، فهذا فعل جبان.
كتبت منذ فترة، أن الاستعمار البريطاني في الهند كان يتعمد قتل الأبقار حتى يشعل نار الفتنة الطائفية بين أبناء الهند، حيث يشك الهندوس الذين يعبدون البقر في غيرهم من بقية الأديان وخاصة المسلمين هناك، فتشتعل الحرب والفتنة بينهم، ولكنهم سرعان ما فطنوا لتلك المكيدة التي دبرها المستعمر البريطاني وحذرهم منها زعيمهم الروحي غاندي، وتغلب الهنود على هذه المكائد وذهب الاستعمار واستمر شعب الهند يعيش في وئام.
وعلى ذكر حكاية البقرة الهندية، لا زلنا نحن أبناء المنطقة العربية نتعرض لمكائد ومؤامرات المستعمر القديم، ربما خرج من منطقتنا بسلاحه وعتاده وجنوده، ولكنه لا يزال يحرض على الفتنة والمؤامرات، ليفتتنا، دينياً وعرقياً وسياسياً، حتى لا نعود وطناً عربياً متجانساً يجمعه التاريخ واللغة، وإنما مجموعة من الفئات المقسمة المفتتة. حقاً أنها مؤامرة كبري، فالذي يمول الإرهاب هو الخارج، والذي يسلح الإرهابي هو الخارج، والذي يؤوي الإرهابي إذا تمكنوا من الهرب من بلده هو الخارج. فنرى هذا الخارج وقد مول وسلح واحتضن في بلاده موطنا لهؤلاء.. ليس موطناً دائماً، وإنما لفترة محددة يعلمه فيها أحدث أسلحة الإرهاب ثم يوجهه مرة أخرى لبلاده لكي يخرب فيها ويدمرها، فهذا يفجر مسجدا، وذاك يدمر كنيسة، لتكون النتيجة وطنا طاردا لأبنائه.
لا أجافي الحقيقة إذا قلت إن المؤامرة كونية، أنها حقيقة لا يجب أن نغفلها، ومصر هدف أكيد لهذه المؤامرات، لإسقاطها في فخ الفتنة الطائفية والحرب الأهلية.
وليس غريباً أن يوم الأحد الفائت كان يوماً دموياً وسوداوياً، ليس في مصر فقط، فكانت مدينة عدن اليمنية علي موعد مع عملية إرهابية راح ضحيتها نحو 50 شرطياً، هذا مقابل 40 عراقياً في العاصمة بغداد في تفجير أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عنه، فيما كانت مدينة إسطنبول التركية على موعد مع الإرهاب أيضاً الذي حصد أرواح 38 شخصاً وأصاب 155 آخرين في تفجيرين بالقرب من أحد الملاعب. وفي القارة الإفريقية، وعربياً، لم تكن العاصمة الصومالية مقديشو بعيدة عن الإرهاب، وكان لحركة الشباب المتطرفة رأيا آخر في مثل هذا اليوم آلا وهو شن عملية انتحارية بالقرب من ميناء العاصمة مما أودى بحياة 29 شخصا وجرح 50 آخرين، والسلاح هنا كان سيارة مفخخة تقتحم منطقة الميناء لتزهق أرواح بريئة بدون ذنب جنته سوى أن الإرهاب قرر القيام بعملية في هذا اليوم وفي هذا المكان.
ومما يؤسف له أن وسائل الإعلام الغربية تصف كل هذه العمليات الإرهابية بأنها عمليات قام بها مسلمون، ولكن ردنا على هؤلاء أن الإرهاب لا دين أو هوية له، فهؤلاء الأشرار من البشر ليسوا بمؤمنين حتى وإن كانت أسماؤهم تصفهم بالمسلمين، ولكنهم رهن الشيطان الذي سلب عقولهم وأرواحهم، وكلفهم بحصد أرواح المصريين واليمنيين والعراقيين والأتراك والصوماليين والنيجيريين.. كل هذا في يوم واحد.. ألم نقل أننا نواجه مؤامرة كونية يتعين علينا كعرب أن نواجهها جميعاً حتى نسلم من شرورها.

كاتب ومحلل سياسي بحريني