دروس من الانتخابات الأمريكية

مقالات رأي و تحليلات الأحد ١٨/ديسمبر/٢٠١٦ ٠٦:٣٦ ص
دروس من الانتخابات الأمريكية

مايكل جيه. بوسكين

كان انتخاب دونالد ترامب المفاجئ رئيساً للولايات المتحدة (الرئيس الخامس والأربعين) سبباً في توليد صناعة حِرَفية من التكهنات وتحليلات ما بعد الانتخابات، في أمريكا وخارجها. فيربط بعض المراقبين فوز ترامب باتجاه أوسع نحو الشعبوية في الغرب، وبشكل خاص في أوروبا، وهو ما تجسد في التصويت في المملكة المتحدة في يونيو لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. ويركز آخرون على جاذبية ترامب بوصفه رجلاً من خارج الدائرة المعتادة قادرا على تعطيل النظام السياسي على نحو ما كان ليتسنى أبداً لمنافِسته وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون ــ الشخصية السياسية البارعة من الدائرة الداخلية. وربما لا تخلو مثل هذه التفسيرات من بعض الحقيقة، وخاصة الأخير. ولكن القصة أكبر من هذا.

في الأشهر التي سبقت الانتخابات، دأبت وسائل الإعلام الرئيسية، والخبراء، ومراكز الاستطلاع على ترديد تصريحات مفادها أن فرصة ترامب في تحقيق الفوز ضيقة للغاية. ولكن كل هؤلاء فشلوا في إدراك مدى القلق الاقتصادي الذي تشعر به أسر الطبقة العاملة في ولايات رئيسية، نظرا للاضطرابات الناجمة عن التكنولوجيا والعولمة.

ولكن كما أكَّدت قبل شهرين من الانتخابات، كانت هذه الإحباطات بعيدة المدى، كما كان الشعور بالتجاهل والتخلف عن الركب ــ وكان ترامب هو الذي جعل هذه المجموعة تشعر أخيرا بأنها مرئية. ولهذا السبب أدركت احتمال انقلاب الكفة لصالح ترامب، على الرغم من تقدم هيلاري كلينتون الكبير في استطلاعات الرأي (بخمس نقاط قبل الانتخابات مباشرة).
وقد حدث الانقلاب بالفعل. ففاز ترامب بفارق ضئيل في ولايات لم يفز بها الجمهوريون طوال عقود من الزمن (ويسكونسن، ومتشيجان، وبنسلفانيا)، وحقق فوزا كبيرا في ولاية أوهايو التي تتميز عادة بمنافسة متقاربة.
الواقع أن الجمهوريين نجحوا في تأمين فوز كبير. فقد احتفظ الحزب بالسيطرة على مجلس الشيوخ، حتى برغم أن أكثر من ضعف مقاعد الجمهوريين مقارنة بمقاعد الديمقراطيين كانت تستعد لإعادة الانتخاب، وخسر الحزب حفنة فقط من المقاعد في مجلس النواب، وهذا أقل كثيرا من توقعات الخسارة التي وصلت إلى عشرين مقعدا. وعلاوة على ذلك، يسيطر الجمهوريون الآن على 33 من حكومات الولايات، في مقابل 16 ولاية للديمقراطيين، كما تمكنوا من توسيع أغلبيتهم الكبيرة بالفعل في المجالس التشريعية للولايات.
تحمل نتائج الانتخابات الأمريكية غير المتوقعة أربعة دروس رئيسية تنطبق على كل الديمقراطيات المتقدمة.
فأولا، يتفوق النمو على إعادة التوزيع. كانت خطة هيلاري كلينتون الاقتصادية التي نادرا ما نوقشت تتلخص في توسيع أجندة أوباما ذات الميول اليسارية، فبدت وكأنها أكثر اشتراكية من منافِسها في الانتخابات الأولية في الحزب الديمقراطي، سيناتور فيرمونت بيرني ساندرز. وزعمت أن فرض ضرائب أعلى على الأثرياء، وتقديم المزيد من الخدمات «المجانية» (المدفوعة بأموال دافعي الضرائب)، أفضل سبيل لمكافحة التفاوت بين الناس.
في المقابل، بعث ترامب برسائل عن فرص العمل والدخل. ورغم أن وسائل الإعلام كانت حريصة على تغطية تصريحاته الأكثر ميلا إلى الغلو وإثارة الجدال على نحو شبه قصري، فإن رسالته الاقتصادية هي التي ضمنت له الدعم إلى حد كبير. فالناس يريدون الأمل في مستقبل أفضل ــ ويأتي هذا من ارتفاع الدخول، وليس الحصول على شريحة إضافية من الكعكة صادرة عن الحكومة.
يتعلق الدرس الثاني بخطر تجاهل الناخبين ــ ناهيك عن التعامل معهم باستعلاء. فمنذ البداية، لم تكن هيلاري كلينتون محبوبة على نطاق واسع. فبسبب ما كُشِف عنه خلال الحملة الانتخابية ــ على سبيل المثال أنها في خطاب ألقته العام 2015 قالت إن «الرموز الثقافية العميقة الجذور، والمعتقدات الدينية، والتحيزات البنيوية لابد أن تتغير» لتأمين حقوق المرأة الإنجابية وغيرها من الحقوق ــ تعززت المخاوف من إقدامها على الدفع بأجندة اجتماعية تقدمية أكثر مما ينبغي.
ومع إدراكها لهذه النقائص، حاولت هيلاري كلينتون الفوز في الانتخابات بجعل ترامب يبدو غير مقبول. ولكن تصريحاتها بأن نصف أنصار ترامب ينتمون إلى «سلة من البائسين» ــ وأنهم من العنصريين الجنسيين المصابين برهاب المثلية الجنسية ورهاب الإسلام ــ عززت الانطباع بأنها تنظر بتعال هي وحزبها إلى ناخبي ترامب باعتبارهم جديرين بالازدراء أخلاقيا بل وحتى أغبياء. وربما دفعت مثل هذه التصريحات بعض الناخبين المترددين إلى التصويت ضد هيلاري كلينتون.
يتمثل الدرس الثالث في أن قدرة المجتمع على استيعاب التغيير السريع محدودة. فعندما تكون وتيرة التقدم التكنولوجي والعولمة، ناهيك عن التغيرات الاجتماعية والثقافية، أسرع من قدرة الناس على التكيف، تصبح مربكة ومعطلة وطاغية. والواقع أن العديد من الناخبين ــ وليس فقط في أمريكا ــ يشعرون أيضا بالغضب والحنق إزاء الإرهاب والهجرة، وخاصة إذا اقترنا بتغيرات سريعة.
أضف إلى كل هذا المخاوف بشأن الوباء الأفيوني المتنامي في أمريكا والشكل الرتيب غير المتسامح من القوامة السياسية، فيبدو التغيير في نظر كثيرين وكأنه لا يُفضي إلى التقدم. وإذا لم تعمل الأنظمة السياسية الديمقراطية على إيجاد وسائل لتخفيف حدة التحولات، وتوفير السبل الكفيلة بجعل الناس قادرين على تحمل الصدمات، وقبول المواقف والقيم غير التقليدية من دون إدانة، فسوف يقاومها الناخبون.
يتعلق الدرس الأخير بخطر غرف الصدى الإيديولوجية. يكشف الزعم المتكرر من قِبَل ناخبي هيلارى كلينتون المصدومين بأن لا أحد يعرفونه صوت لصالح ترامب إلى أي مدى يعيش الكثير من الناس ــ من الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء ــ في فقاعات اجتماعية واقتصادية ومعلوماتية وثقافية وتواصلية.
والواقع أن تراجع الثقة في وسائل الإعلام الوطنية، مقترنا بانتشار الاتصال عبر الإنترنت، تسبب في إيجاد عالَم حيث تُصنَع الأخبار التي يقرأها الناس غالبا بهدف «الانتشار الفيروسي» وليس إعلام عامة الناس وتنويرهم؛ ولا يسعنا أن نسمي النتيجــة أخبارا على الإطلاق. علاوة على ذلك، تخضع المعلومات التي يراها الناس غالبا للتصفية والغربلة، بحيث لا يتعرضون إلا للأفكار التي تعكس أو تعزز أفكارهم. (والنتيجة الطبيعية لهذا في عالم الإنترنت هي أننا جميعا، كما اكتشف دونالد ترامب وهيلاري كلينتون، لم نعد بعيدين عن التأثر بمواقع مثل يوتيوب أو ويكيليكس، أو قنوات الكابل الإخبارية أو المحطات الإذاعية المخصصة لبرامج الأحاديث، أو الشهرة أو العار).
الواقع أن هذه التطورات تعمل على تقويض قدرة الناس على الانخراط في مناقشات مستنيرة عقلانية، ناهيك عن المناظرات مع أولئك الذي يحملون وجهات نظر أو قيم أو اهتمامات اقتصادية مختلفة. وحتى الجامعات، التي يفترض أن تعزز تقاسم المعرفة والمناقشات الجريئة، أصبحت الآن أكثر ميلا إلى قمع المعرفة والحوار، على سبيل المثال من خلال إلغاء دعوات الحديث الموجهة لكل من قد تعتبره مجموعة أو أخرى من الناس غير مقبول. وعندما نفشل في الانخراط في مثل هذه الحوارات والمناظرات ــ عندما يختار الناس «المجالات الآمنة» والابتعاد عن المناقشات الصعبة ــ فإننا نخسر أفضل فرصنا لبناء الإجماع حول كيفية حل بعض المشاكل الملحة التي تهدد مجتمعاتنا على الأقل.

بوسكين أستاذ الاقتصاد في جامعة ستانفورد،

وكبير زملاء مؤسسة هوفر