السياحة خيار استراتيجي

مقالات رأي و تحليلات الأحد ١٨/ديسمبر/٢٠١٦ ٠٤:٠٥ ص
السياحة خيار استراتيجي

سمعان كرم

إن كلمة استراتيجية أصلها يوناني قديم. وهي مركبة من «قائد جيش» و»إدارة». إذاً هي فن إدارة تقدم الجيش إلى أرض المعركة حتى وصوله إلى المواجهة مع العدو. وكلمة تكتيك هي طريقة تنفيذ المواجهة. ويمكن استعارة كلمة استراتيجية وتوسيع معناها، وهذا ما يحصل فعلاً، إلى أن تصبح فن إدارة الموارد لتحقيق الأهداف العامة، خاصة متوسطة وبعيدة المدى منها. ونقول خيار عندما تتعدد الطرق أمامنا ونقرر بملء إرادتنا اختيار واحدة منها. هذا ما عنيناه عندما وضعنا العنوان «السياحة: خيار استراتيجي». هذه المقدمة ليست لعرض عضلات في فهم تلك الكلمات الغريبة بل للتشديد والتأكيد على أن السياحة خيار لا يفرضه أحد علينا وليس بالمطلق مربوطاً بثروات طبيعية معينة مثل المناخ أو البيئة.

والسياحة بمعناها الحديث ولدت فعلياً وتطورت مع ظهور وسائل النقل السريعة كالقاطرات والسفن والطائرات، ولعل سياحة المستقبل ستكون بالمركبات الفضائية بين القمر والكواكب، خصوصاً بعدما أصبحت السياحة ذات طابع دولي مأمون من المخاطر. وقد عرّفت الأمم المتحدة السائح بأنه الشخص الذي يسافر إلى بلدٍ آخر غير موطنه ويقيم فيه لمدة تزيد على أربع وعشرين ساعة دون أن تطول إقامته إلى الحد الذي تعد فيه دائمة. ويعرف البعض السياحة بإنها جزءٌ من الاقتصاد القومي الذي يعنى باستضافة المسافرين. والتشديد هنا يقع على كلمة «استضافة» إذ نحن العرب نعرف معناها أكثر من العديد من الشعوب لأننا نحترم شعائرها وتطبيقها، كما أننا نلتزم بمتطلبات الضيف كاملة. من هذا المنطلق تعنى السياحة بأمن السائح وإيوائه وإطعامه وسبل تنقله ومن ثم بأغراض زيارته من ترفيهية وعلمية وثقافية وصحية. وقبل أن نعتمد السياحة كقطاع واعدٍ للتنويع الاقتصادي -وهذا ما رسمته خططنا التنموية حالياً- نطرح على أنفسنا السؤال الجوهري الآتي: هل نحن مستعدون فعلاً للقيام بهذه الالتزامات والواجبات كاملة منذ دخول السائح إلى بلادنا وحتى سفره عنها؟ ونقول «كاملة» إذ لا يمكن إيواء السائح وغض النظر عن إطعامه، ولا يكفي توفير وسائل تنقله دون الحرص على أمنه.
وللسياحة آثار إيجابية مباشرة وغير مباشرة نذكرها لاحقاً، لكن لها أيضا آثار سلبية نذكر منها الضغط على الخدمات والضغط على البيئة والضغط على المجتمع. عندما يزداد عدد السائحين وعدد الفنادق والمنتجعات والمخيمات يزداد الطلب على الكهرباء والمياه والصرف الصحي بنسب عالية. ونعرف الضغط البيئي في ظفار كل خريف من جراء تكاثر الزوار وتنقلهم بسياراتهم في الطبيعة الخضراء، ونعرف أن شواطئنا خلت تقريباً من القواقع التي كانت تزين رمالها. إنما الضغط الذي نريد أن نتكلم عنه هنا هو التأثير على المجتمع وعاداته وقيمه.
إن العمانيين -والحمد لله- يتميزون بقيم وصفات معروفة وغالية على قلوبهم. فهم شعب متمسك بالدين، شعب متواضع لكنه أبيّ، شعب يحب السلام ولا يتدخل بشؤون غيره، شعب يقبل الآخر ويقبل الاختلاف دون الخلاف، له تاريخه العريق ولغته الثرية وله أمنه الراسخ. كلها قيم يجب أن يحافظ عليها إذ إنها تبقى المحرك الحقيقي لأعماله وتصرفاته داخل البلاد أو خارجها. من هنا نفهم تخوف البعض من السياحة التي قد تهدد تلك القيم والعادات والتقاليد.
بعد أن استعرضنا ولو بصورة مقتضبة منظومة السياحة المتكاملة لتلبية متطلبات السائح الأساسية من أمن ومأكل وفندق ووسائل نقل، وبعد أن أبدينا تخوفنا من التأثير على قيمنا نطرح سؤال الخيار الاستراتيجي: هل نريد فعلاً صناعة السياحة الحديثة في اقتصادنا ومجتمعنا؟ هل فعلاً نريد توجيه وإدارة مواردنا نحو هذا القطاع؟ إن الجواب السريع والصريح والجريء هو نعم وبدون تردد إذا ما نظرنا إلى الآثار الإيجابية لها على صعيد الاقتصاد الوطني والانفتاح على العالم. إنه خيار مهم للغاية اتخذته دول مثل تايلند، ومدن مثل باريس وإمارات مثل موناكو. السياحة تجلب العملات الأجنبية التي تعيد بعض التوازن إلى ميزان المدفوعات، وهي من أنجع الوسائل لإعادة توزيع الدخل وتنمية المناطق، وهي فرصة لتطوير البنية الأساسية مما ينمي الاقتصاد بإعادة تدوير الأموال وهي مناسبة للتعرف على عادات وثقافات الشعوب من خلال الاحتكاك بها وهي التي توجد الوظائف لليد العاملة الوطنية في مجالات لا تتطلب التقنيات الصعبة والمعقدة وبالتالي فإن التدريب والتأهيل لتلك المهن قد يكون أسهل من غيرها. والسياحة تشجع على تسويق السلع خصوصاً الحرفية أو المتخصصة مثل الساعات الثمينة من سويسرا أو الحرير من الهند أو السجاد من إيران. وتفتح السياحة الباب أمام الاستثمار الأجنبي والوطني مهما صغُر أو كبُر حجمه. وهي أرض خصبة لقيام المؤسسات المتوسطة والصغيرة. ففي أوروبا مثلاً هناك مليونا مؤسسة متوسطة وصغيرة تعمل في ميدان السياحة.
إن المبادئ والقيم التي يتميز بها العماني هي الثروة الحقيقية ويجب الحفاظ عليها إذ إنها نابعة من وجداننا ولن يؤثر عليها السائحون مهما اختلفت قيمهم عن قيمنا. وبالتالي لا خوف في الجوهر من استقبالهم والاهتمام بحاجاتهم كي نصنع سياحة حديثة تدعم التنوع الاقتصادي المنشود وتطيل الاستدامة. أما إذا تطلبت مهنة من المهن تعديل بعض العادات الوظيفية فلا بأس في ذلك فنحن قبلنا أن نغيّر لباسنا في المصانع وعلى حقول النفط وفي المستشفيات والمطاعم. وإذا اقتضت السياحة أن نتكلم بلغة أجنبية يفهمها السائحون فلن يغير ذلك ولاءنا للغتنا العربية الثمينة.