
علي ناجي الرعوي
علي ناجي الرعويوضعف حكومات هذه الدولة فقد ظل اندماج الشطرين يراوح بين التلاقي والافتراق؛ ذلك أن التناقضات فيما بينهما كان سببها الأول الثنائية الأيديولوجية للنظامين اللذين كانا يتربعان على السلطة قبل أن ينتقلا إلى الوحدة بموروث نزاعاتهما وصراعاتهما في زمن الانشطار، والذي لا شك وأنه من حفل بتحديات غاية في القسوة والتهتك ليظهر اليمن الموحد بعد أقل من أربع سنوات على اندماجه في مأزق سياسي أفضى به إلى حرب داخلية صيف عام 1994م، وهي الحرب التي بدا فيها الصراع وكأنه بين هويتين جهويتين شمالية وجنوبية كما صنّفه البعض ليس لغياب أي وجود تاريخي لهوية يمنية جامعة وإنما لتأكيد الاختلاف حول طبيعة المصالح بين جنوب يتميز بجغرافيته الواسعة وشمال يتفوق بكثافته السكانية.
وكما هو سائد فإن أية حرب أهلية لا بد وأنها التي تؤدي إلى إفرازات متعددة على شكل انقسامات وتفاعلات سياسية تكون في الغالب الدافع إلى بروز الهويات الفرعية التي عادة ما يلجأ الطرف الخاسر للحرب إلى تغذيتها سعيا منه لتحويل خسارته إلى انتصار غير معلن ولعل مثل هذا السيناريو هو من شهدنا تفاصيله تتتابع عقب تلك الحرب التي جرى استثمار تداعياتها والأخطاء الناجمة عنها في شيطنة كل ما هو شمالي وإظهار الشمال كمحتل لأرض الجنوب ومغتصب لثرواته حيث عملت بعض القوى على تكريس هذا الشعور لدى المواطنين في الجنوب بوسائل مختلفة لتتولد عن هذه التعبئة الكثير من التشوهات والأحقاد والرواسب التي أسهمت في تعميق حالة الشقاق بين مكونات المجتمع اليمني شمالا وجنوبا، مما أشاع فرزا على الهوية الاجتماعية أو السياسية على أساس الانتماء الجهوي.. وبمعنى أدق فإن حرب صيف 1994م وإن حافظت على الوحدة فقد أدت عمليا إلى انهيار التوازن الذي كان قائما بين الشمال والجنوب والذي كان يمثله توزع السلطة بين الحزب الاشتراكي اليمني الذي كان يمثل الجنوب والمؤتمر الشعبي العام الذي كان على رأس السلطة في الشمال قبل أن تتغير الأمور وتدفع الأحداث والصراع بين الحليفين بالحزب الاشتراكي إلى خارج السلطة.
مع أن اليمن يوصف بالقبلي بامتياز فإن التنافس بين الدولة والقبيلة لم يصل إلى درجة الحدية على الأقل في سنوات الوحدة حيث استمر محكوما بالعلاقة المتميزة بين الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح والزعيم القبلي عبدالله بن حسين الأحمر الذي ظلت قبيلة حاشد أقوى القبائل اليمنية تدين له بالولاء فضلاً عن أنه من كان يرأس في ذات الوقت التجمع اليمني للإصلاح وهو الحزب الذي يضم خليطاً من الرموز القبلية والعناصر الإسلامية من إخوان وسلفيون واتجاهات أخرى إلا أن هذا النوع من الانسجام قد اختل ربما بوفاة الشيخ عبدالله الأحمر نهاية العام 2007م فقد ابتعد حزب الإصلاح بعد تراجع النفوذ القبلي فيه عن علي عبدالله صالح واتجه إلى التحالف مع خصومه من الأحزاب القومية واليسارية التي انضوت جميعها في مكون اطلق عليه (أحزاب اللقاء المشترك).
فبالقدر الذي كان فيه العامل القبلي يلعب دورا محوريا في إشعال بعض النزاعات أو في حلها فإن تأثيره في حماية الهوية الوطنية كان غائبا أو مغيبا إلى حد كبير كما هو شأن الأحزاب السياسية بكل تنوعاتها والتي فشلت هي الأخرى في تعزيز جذور هذه الهوية واستنطاقها في أدبياتها السياسية والثقافية ناهيك عن إرساء مفرداتها في وعي الناس، الأمر الذي جعل من هذه الهوية عرضة للتآكل والتلاشي هذا إن لم تفقد الكثير من دلالاتها في الواقع الاجتماعي، وعلى العكس من ذلك فإن الهويات الفرعية أخذت بالتنامي والتذكير بنفسها سيما وأن هناك مَن كان يستغل هذه المعطيات ويستفيد منها قدر المستطاع إما رغبة في إقصاء الآخر المختلف سياسيا أو مذهبيا أو بدافع محاسبة الحاضر وتغييره واستعادة الماضي الذي ما زال يقيم فيه.
الواقع أن الذين ركبوا موجة (الربيع العربي) وتحالفوا من أجل إسقاط نظام صالح لم يضعوا في حسبانهم انهيار التركيبة التي كانت قائمة والتي كانوا جزءا لا يتجزأ منها بحسناتها وسيئاتها، وأن خيارا كهذا يعد الأسهل في عملية الترجيح وأن المعضلة الأكبر ستكون فيما بعد انهيار هذه التركيبة ولذا فإن المعضلة التي أغفلوها قد تجسدت في أن التغيير الذي كانوا ينشدونه لن يتحقق من دون رؤية تؤسس لمشروع جامع للتغيير الحقيقي، الذي يعبّر عن كل اليمن ولذا سرعان ما انكشفت تلك المعارضة الكلاسيكية بمجرد أن قبلت بتقاسم السلطة مع حزب صالح وبرئيس انتقالي يجري انتخابه دون منافس وهو ما أظهر هذه النخب مهمومة فقط بالسلطة والقتال من أجل الوصول إليها وليست معنية بالعبور بالبلاد نحو الاستقرار والنهوض والسلم الأهلي.
كان يفترض أن تكون مهمات المرحلة الانتقالية التي بدأت باختيار الرئيس هادي لقيادة هذه المرحلة مرتبطة فقط بعملية التمهيد لبناء الدولة في صورتها الدائمة عبر وسائل وإجراءات ذات طبيعة انتقالية غير أن الأمر المختلف في الحالة اليمنية أن التدابير التي اتخذت من قبل السلطة الانتقالية قد ابتعدت عن تلك المهمات في مقابل التركيز على التأسيس لدولة جديدة غير تلك التي كانت قائمة قبل انتفاضة الربيع العربي، أي أن هذه السلطة قد اختزلت مهمتها بتعبيد الطريق لقيام دولة مركبة على انقاض الدولة البسيطة، ولشرعنة هذا التحول عملت تلك السلطة بالتعاون مع المبعوث الأممي الأسبق جمال بنعمر وسفراء الدول الخمس على الدعوة أوائل 2013م لمؤتمر حوار وطني استمر لما يقارب العام بهدف إقرار مبدأ «فدرلة» اليمن دون الأخذ بالاعتبار أن خطوة كهذه من شأنها تمزيق هذا البلد وشرذمته وإغراقه في صراعات لا نهايات لها.
ولا ريب أن الذين أنابوا الشعب اليمني في تلك المسيرة الحوارية الطويلة واقتراح النظام الفيدرالي ودستور هذا النظام قد وضعوا أولى مداميك تفكيك الدولة قبل أن يجدوا أنفسهم في وضعية حرجة وهم يرون الإجماع الذي اصطنعوه في ذلك الحوار يتهاوى أمام تطورات الأحداث التي قادت جماعة أنصار الله إلى السيطرة على العاصمة صنعاء بدعوى أنها التي لم توافق على تخويل الرئيس هادي بتقسيم البلاد إلى ستة أقاليم لتدخل اليمن على خط صراع جديد من بين ثنايا مخرجات ذلك الحوار، فضلاً عن حرب مستعرة داخلية وخارجية تعيشها اليمن منذ 20 شهرا بعد انسداد أفق الحل بين طرفي الصراع ودخول أطراف خارجية في لعبة هذا الصراع وهو المشهد الذي ينذر بتفكك جغرافيا اليمن على أساس جهوي وهويات فرعية، فهناك في عدن من يتوق إلى الإعلان عن دولة الجنوب العربي، وفي حضرموت من يتحين اللحظة لقيام دولة حضرموت العربية، وفي هذا المشهد المتداخل لا يُستبعد ظهور لاعبين يعملون على التأسيس لبنيان دول في الوسط والغرب هروبا من الجحيم المشتعل، وقد تكون اليمن في قادم الأيام نموذجا لصراع الهويات الدموي المكشوف بعد أن فشل أبناؤها في صياغة معادلات هوية وطنية واحدة وعقد اجتماعي يقوم على أساس المواطنة وليس على أي شيء آخر.
كاتب يمني