لا تبكوا على اتفاقيات التجارة

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ١٤/ديسمبر/٢٠١٦ ٠٤:٠٠ ص
لا تبكوا على اتفاقيات التجارة

داني رودريك

كانت العقود السبعة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عصراً من الاتفاقيات التجارية. وكانت الاقتصادات الكبرى في العالَم في حالة دائمة من المفاوضات التجارية، فأُبرمت اثنتان من الاتفاقيات التجارية العالمية متعددة الأطراف، بالإضافة إلى هذا، جرى التوقيع على أكثر من 500 اتفاقية تجارية ثنائية وإقليمية ويكاد يكون من المؤكد أن الثورات الشعبوية التي شهدها العام 2016 ستضع حدا لهذه الحالة المحمومة من إبرام الاتفاقيات. وفي حين قد تلاحق الدول النامية اتفاقيات تجارية أصغر حجماً، فإن الاتفاقيتين الرئيسيتين المطروحتين على الطاولة، اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ واتفاقية شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي، أصبحتا في عِداد الأموات بعد انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة. ولكن لا ينبغي لنا أن نحزن على فراقهما.

تُرى ما هو الغرض الذي تخدمه اتفاقيات التجارة حقاً؟ قد تبدو الإجابة واضحة: فالدول تتفاوض على اتفاقيات التجارة لتحقيق المزيد من التجارة الحرة. ولكن الواقع أكثر تعقيداً إلى حد كبير. فليس الأمر فقط أن اتفاقيات التجارة اليوم تمتد إلى العديد من مجالات السياسات الأخرى، مثل القواعد التنظيمية الخاصة بالصحة والسلامة، وبراءات الاختراع وحقوق الطبع والنشر، وتنظيم حسابات رأس المال، وحقوق المستثمرين. فمن غير الواضح أيضا ما إذا كان لها أي علاقة تُذكَر بالتجارة الحرة.
الواقع أن الحجة الاقتصادية المعتادة لصالح التجارة المحلية. لن يخلو الأمر من رابحين وخاسرين، ولكن تحرير التجارة يعمل على توسيع حجم الكعكة الاقتصادية في الداخل. والتجارة مفيدة لنا، وينبغي لنا أن نزيل العوائق التي تحول دون تعزيزها لمصلحتنا الشخصية -وليس لمساعدة دول أخرى. وعلى هذا فإن التجارة المفتوحة لا تتطلب طابعا عالميا؛ بل تحتاج فقط إلى التعديلات المحلية الضرورية لضمان تمكين كل المجموعات من المشاركة في المنافع العامة. وهنا تنتهي القصية بالنسبة للاقتصادات الصغيرة في الأسواق العالمية. فهي ليست في احتياج إلى اتفاقيات تجارية، لأن التجارة الحرة تصب في مصلحتها في المقام الأول ويرى الاقتصاديون حجة لصالح اتفاقيات التجارة عندما يتعلق الأمر بالدول الكبيرة لأن هذه الدول قادرة على التلاعب بمعدلات التبادل التجاري -الأسعار العالمية للسلع التي تصدرها وتستوردها. فعلى سبيل المثال، من خلال فرض رسوم جمركية على الواردات، ولنقل على الصلب، تستطيع الولايات المتحدة أن تخفض الأسعار التي يبيع بها المنتجون الصينيون منتجاتهم. أو من خلال فرض ضريبة على الصادرات من الطائرات، تستطيع الولايات المتحدة أن ترفع الأسعار التي يضطر الأجانب إلى دفعها. والاتفاقيات التجارية التي تحظر مثل هذه السياسات القائمة على إفقار الجار من الممكن أن تعود بالفوائد على كل الدول، لأنها جميعها ربما تنتهي إلى حال جماعية أسوأ في غياب هذه الاتفاقيات.
ولكن من الصعب أن نوفق بين هذا المنطق وما يحدث في إطار اتفاقيات التجارة الفعلية. فحتى برغم أن الولايات المتحدة تفرض بالفعل رسوما جمركية على الصلب الصيني فمن غير المعقول أن نتصور أن الحافز وراء ذلك هو خفض أسعار الصلب العالمية. وإذا تُرِك القرار للولايات المتحدة فإنها كانت لتفضل دعم الصادرات من بيونج -كما فعلت في كثير من الأحيان- وليس فرض الضرائب عليها. والواقع أن قواعد منظمة التجارة العالمية تحظر دعم الصادرات -وهو ما يمكننا وصفه من الناحية الاقتصادية بسياسات إثراء الجار- في حين لا تفرض أي قيود مباشرة على الضرائب على الصادرات. ولهذا فإن الاقتصاد لا يفيدنا كثيرا في فهم الاتفاقيات التجارية. وتبدو السياسة وسيلة واعدة أكثر من غيرها: فربما يكون بوسعنا أن نفسر بشكل أفضل السياسات التجارية الأمريكية في مجالات مثل الصلب والطائرات عندما ننتبه إلى رغبة صناع السياسات في مساعدة هاتين الصناعتين -وكل منهما تناصرها جماعات ضغط قوية في وواشنطن- وليس بمحاولة تفسير عواقبها الاقتصادية الشاملة.

أستاذ الاقتصاد السياسي في كلية جون ف. كينيدي للإدارة الحكومية في جامعة هارفارد.