
دع عنك كل ما تسمعه من شعارات وخطب في حضارة هذه البلد أو تلك وتقدمها. إذا أردت أن تقيِّم مجتمعا بشريا، كل ما عليك فعله هو قياس وضع النساء والأقليات لديهم، لتعرف المرحلة التي وصلوا لها في سلم الارتقاء البشري. فإن وجدت المرأة لديهم مصلوبة الحقوق مهيضة الجناح، والأقليات لديهم تُعاني للحصول على مواقع ومناصب أو الاعتراف بخصوصيتها، فاعرف أن كل ما تسمعه عنه فقاعات حبر لا مكان لها على الأرض، ولو وجدتهم يبالغون في إبراز حالات نسائية معدودة اخترقت المشهد بفضل جهودها أو موقع عائلتها الاجتماعي، ووجدتهم يتغزلون بما تناله الأقليات لديهم من حقوق لمجرد أنهم منحوا موقعا أو موقعين لأحد منهم، فأعرف أن ما تضمره تلك البقعة الجغرافية أكثر مما تعلنه، وأن الوضع لديهم أسوأ مما وصل له خيالك بمراحل.
ونحدد النساء والأقليات هنا كمعيار؛ لأن استيعاب أي مجتمع للعناصر «الأضعف» هو الفيصل في تحديد إنسانيتها. فالمجتمعات الأوروبية على سبيل المثال قطعت شوطا في تعاملها مع الجنس الناعم منذ القرن السادس عشر؛ يوم أقامت مؤتمرا ضخما لمناقشة إن كانت المرأة «إنساناً» كالذكر أم لا. اليوم صارت المرأة فيه تحكم عددا من الدول وتتولى رئاسة الوزراء. وذات المجتمعات قطعت شوطاً منذ أن كانت مقتنعة أن الرجل الأسود أقل من الرجل الأبيض في الذكاء «بحكم جيناته» وأنه أقرب من القرود منه للبشر. إلى أن وصلت فيه لمكان قاد رجل أسود مهاجر سدة حكم أقوى دولة في العالم.
فالمجتمعات تمر بمخاضات وتكبر وتنضج حتى تبلور رؤيتها لنفسها وللآخر. وتنتقل من مرحلة تقديس الأقوى والأعنف وبناء الإمبراطوريات على جماجم الفقراء. لمرحلة تعلو فيها القيم الإنسانية على كل شيء وتصبح رعاية الضعفاء هدفا ساميا للدول والمجتمعات.
في اليوم العالمي للعنف ضد المرأة، الذي مر منذ أسابيع، ظهرت تقارير لتؤكد أن 87% من النساء في الوطن العربي قد تعرّضن لدرجة ما من العنف، سواء من الأهل أو الزوج، في المقابل تجد القوانين التي تحمي النساء وتعاقب من يعتدي عليهن عقابا رادعا، مفقودة تماما في جل الدول العربية. وكثيرا ما لا تجد المعنفة مكانا تلجأ إليه إن هي ما تعرّضت للتعنيف.
نقول، وبالله التوفيق، لا ترهقونا بالتباهي بما لا تملكون، فنحن جميعاً «نعرف البير.. وغطاه».