الليبرالية لا تفوز دائماً

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠٨/ديسمبر/٢٠١٦ ٠٥:٤٢ ص
الليبرالية لا تفوز دائماً

كمال درويش
إن هناك قلة من المحللين توقعوا أن يصوت البريطانيون بالخروج من الاتحاد الأوروبي أو أن يصوت الأمريكيون لدونالد ترامب كرئيسهم المقبل، وبعد ذلك بفترة قصيرة ظهر تفسير عليه إجماع لتلك الإخطاء في الحسابات ولكن عندما يتعلق الأمر بمثل هذه التطورات المعقدة الناتجة عنها فإن يتوجب علينا الحذر من التحليل السطحي.

إن الإجماع الحالي يلقي باللوم على «النخب» في القطاع الأكاديمي والإعلام والأعمال بسبب انغماسهم في عالمهم المترابط والواسع لدرجة أنهم فشلوا في الاستماع بعناية واهتمام للمجموعة الأقل تعليماً وترابطاً، ونظراً لأن المجموعات الأخيرة هي المجموعات الأقل استفادة من العولمة فلقد كانوا هم الأقرب لرفض المؤسسات العابرة للحدود (في حالة بريكست) ومرشحي السلطة (في حالة ترامب). لقد كان تجاهل تلك المجموعات في نواح كثيرة خطأ واضحاً.

إن هناك الكثير من الصحة في وجهة النظر تلك. «إن التفكير الجماعي» عادة ما يصيب النخب المالية والفكرية اليوم بما في ذلك المشتغلين في استطلاعات الرأي، حيث عادة ما تكون لهؤلاء نفس الخلفيات التعليمية ويعملون معا ويقرأون نفس الصحافة ويتجمعون في نفس المؤتمرات والفعاليات وذلك من دافوس وحتى أسبن.
إن هؤلاء عادة ما يؤمنون بأنهم قد استوعبوا دروس التاريخ العظيمة فهم عادة ما يستنكرون العنصرية وحتى الأشكال الأكثر اعتدالا من العرقية، ومن غير المرجح أن يرفضوا المساواة بين الجنسين، ورغم أن تلك المجموعات لا تشكل نموذجا للتنوع فإن هناك إقرارا على نطاق واسع بقيمة التنوع وبأن هيمنة الرجال على أقل تقدير قد بدأت بالانحدار.إن القاسم المشترك الآخر لهذه المجموعة هو الثروة، فبينما ليس جميع الأعضاء في هذه المجموعة من أصحاب الملايين فإنه عادة ما يكون لديهم العلم والمهارات الكافية من أجل جني فوائد العولمة الاقتصادية، وكنتيجة لذلك لم يستطيعوا بشكل عام إدراك تصاعد انعدام المساواة وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية كمشكلة رئيسية إلا مؤخرا (رغم أن العديد من النخب الأكثر ثراءً قد انخراطوا في أعمال خيرية كثيرة لم يسبق لها مثيل).
إن من الواضح أن النخب العالمية الذين يتخذون قرارات لاحقة تتعلق بقطاعات حيوية تمتد من قطاع الأعمال إلى القطاع المالي والسياسي، يجب أن يولوا مزيدا من الاهتمام بمظالم الناس الأقل حظا وتعليما بالإضافة إلى الأقل ترابطا وتواصلا وعوضا عن الاجتماع بأناس يشاطرونهم الأفكار نفسها في الصوامع فإنه يتوجب عليهم إيجاد منابر تربطهم بالناس من خلفيات وظروف أكثر تنوعا بما في ذلك أولئك الناس الذين عاشوا تجارب مختلفة جدا مع العولمة. إن مثل تلك المنابر ستساعد في التعامل مع تجزئة النقاش العام.
لكن الفقاعات الأيديولوجية ليست هي المشكلة الوحيدة، فقد فشلت النخب ليس فقط في توقع الانتصارات الشعبوية الأخيرة بل أيضا في التنبؤ بأن فرانسوا فيلون غير الشعبوي سيحقق فوزا صريحا في الانتخابات التمهيدية ليمين الوسط الفرنسي بهامش كبير. إن من الواضح أن الجهل بغضب الطبقات العاملة ليس هو العامل الوحيد الذي يشوش على راداراتهم السياسية.
بالطبع سيكون من المريح الاعتقاد لو أن الحقائق كانت معروفة بشكل أفضل وكان بإمكان الناس مناقشتها بتجرد أكثر لأصبح الناخبون موحدين أكثر وتصبح السياسات بناءة بشكل أكبر ولكن حتى مع وجود حوار أفضل ومبني على الحقائق فإن مصالح الناس ستتباعد.
إن أولئك الذين صوتوا لبريكست أو ترامب لم يفشلوا ببساطة في فهم الفوائد الحقيقية للعولمة بل إنهم يفتقدون للمهارات أو الفرص حتى يحصلوا على قطعة من الكعكة، فهناك ما هو أبعد من التواصل مع الناس، حيث توجد حاجة حقيقية لسياسات إعادة توزيع لا تعتمد في الأساس على الفوز في جميع الأحوال، فالمستفيدون الرئيسيون من التجارة الحرة والتغيّر التقني يجب أن ينشطوا في تعويض الخاسرين وذلك من خلال فرض الضرائب والدعم بالإضافة إلى الدعم التوظيفي.
إن الافتراض بأن الغرب الليبرالي الديمقراطي متوافق إلى حد كبير في مصالحه الاقتصادية والجيوسياسية هو افتراض خاطئ بالأساس، فالحقيقة هي أن القوى الغربية التقليدية ورغم وجود الكثير من الأشياء المشتركة، تتباعد في مجالات مختلفة من سياسة الطاقة - أوروبا تعتمد على الهيدروكربونات بشكل أكبر بكثير من الولايات المتحدة الأمريكية- إلى الأمن، وفي هذا السياق فإن التواصل بشكل أفضل والموافقة على الحقائق لن يكون كافيا لتسهيل الموافقة على التعاون، فهناك حاجة للتفاوض بحيث يضحي كل طرف للطرف الآخر.
إن كلا المسألتين تشير لعيب أشمل في النظرة الغربية وهو الاعتقاد بالحلول الفائزة على الدوام، وفي واقع الأمر فإن الليبرالية الديمقراطية في نسختيها من يمين الوسط ويسار الوسط، تعكس الإيمان بأن مثل تلك الحلول (أهمها السلام) يمكن أن تنفع المجتمع أو البشرية بشكل عام على المدى الطويل. إن الديمقراطية تتعامل مع التقلبات وتدير التضحيات على المدى القصير ولكن في نهاية المطاف الجميع يستفيد.
بالطبع فإن الفشل في تأمين الحلول الفائزة عادة ما تنتج عنه مواقف خاسرة، ففي النصف الأول من القرن الماضي هناك اعتقاد على نطاق واسع بأن الفشل في التعامل مع مسألة المساحات الزراعية ستؤدي إلى مجاعات في بعض البلدان واليوم هناك جدل مماثل فيما يتعلق بالطاقة.إن الواقع هو أكثر تعقيدا، فحتى تتمكن الاقتصادات من تأمين الفوز بالنمو الشامل فإن على الأثرياء الخضوع لشكل من أشكال التنظيم والضرائب بما في ذلك القواعد الدولية التي ستكلفهم أموالا طائلة على المدى الطويل، وبينما هذا لن يحوِّل الأثرياء إلى خاسرين (سيظلوا أثرياء) فإن لا أحد ينكر أنهم سيتكبدون خسائر.
لقد كان النهج الليبرالي الديمقراطي محقاً في فهمه بأن هناك دائماً مجالاً للحلول الوسط وبينما ليس كل شخص سيعود لمنزله وهو يشعر أنه الفائز الحقيقي فإن الأشخاص والبلدان سيكونون في وضع أفضل لو عملوا معا وعقدوا الصفقات مقارنة لو استحوذوا على مساحة محدودة وموارد محدودة واكتفوا بحمايتها بكل الوسائل الممكنة. إن تكاليف الصراعات الحديثة بما في ذلك الجمود السياسي الداخلي هي كبيرة للغاية لدرجة أنه حتى الفائزين سيخسرون في نهاية المطاف.
في أعقاب الأخطاء في الحسابات التي حصلت مؤخرا فإنه يتوجب علينا إعادة تقويم الرادارات السياسية لدينا وهذا يعني تغطية جميع المصادر المحتملة للتدخل وليس فقط المصادر التي تناسب الطرح المنمق. إن الاختلاف الأساسي في النظرة العالمية بين الديمقراطيين الليبراليين أو الاجتماعيين والأيديولوجيين المتشددين سواء قوميين أو غير ذلك ربما تكون الأكثر ترابطا من الناحية المنطقية، حيث يتوجب على الطرف الأول أن يقر بالمواقف الخاسرة والمربحة على المدى المتوسط ولكن يجب المحافظة على إيمانهم طويل المدى بالتغيّر الديمقراطي التدريجي في الوطن بينما يعملون على التمسك بالسلام العالمي.

وزير أسبق للشؤون الاقتصادية في تركيا.