إغفال الصورة الاقتصادية الكبيرة

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٠٥/ديسمبر/٢٠١٦ ٠٤:٠٥ ص
إغفال الصورة

الاقتصادية الكبيرة

جيه. برادفورد ديلونج

مؤخراً، سمعت المدير العام السابق لمنظمة التجارة العالمية باسكال لامي يقتبس من مثل بوذي كلاسيكي، حيث يقول البطريرك البوذي السادس في الصين هو إن إنج للراهبة وو جين كانج: «عندما يشير الفيلسوف إلى القمر، ينظر الأحمق إلى الإصبع». وأضاف لامي أن «رأسمالية السوق هي القمر، والعولمة هي الإصبع».

مع ارتفاع المشاعر المناهضة للعولمة الآن في مختلف أنحاء الغرب، كان هذا عاما حافلا بمراقبة الأصابع بدلا من الانتباه إلى القمر. ففي الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي في المملكة المتحدة، صوت «القوميون الإنجليز» لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي؛ وفي الولايات المتحدة، فاز دونالد ترامب بالرئاسة لأنه أقنع عددا كافيا من الناخبين في الولايات الحاسمة بأنه سـ«يجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»، وخاصة من خلال التفاوض على «اتفاقيات» تجارية مختلفة تماما.
الآن ينبغي لنا أن نوجه أنفسنا من خلال التأمل في الكيفية التي يبدو عليها قمر السياسة الاقتصادية اليوم، وخاصة في ما يتصل بالنمو والتفاوت. بادئ ذي بدء، يستمر الإبداع التكنولوجي في مجالات مثل معالجة المعلومات، والروبوتات، والتكنولوجيا الحيوية في التسارع بوتيرة مذهلة. ولكن نمو الإنتاجية السنوية في دول شمال الأطلسي انخفض من معدل 2% الذي اعتدنا عليه منذ العام 1870 إلى نحو 1% الآن. ويمثل نمو الإنتاجية مؤشراً اقتصادياً مهما، لأنه يقيس التراجع السنوي في الموارد أو القوة العاملة اللازمة لتحقيق المستوى نفسه من الناتج الاقتصادي.
يؤكد الخبير الاقتصادي روبرت جيه. جوردون من جامعة نورث ويسترن أن كل الإبداعات الحقيقية «المغيرة لقواعد اللعبة» التي غذت النمو الاقتصادي في الماضي - الطاقة الكهربائية، والطيران، والمرافق الصحية الحديثة، وما إلى ذلك- استنفدت بالفعل، وأننا لا يجب أن نتوقع أن يستمر النمو إلى ما لا نهاية. ولكن يكاد يكون من المؤكد أن جوردون على خطأ: ذلك أن الاختراعات المغيرة للأنظمة القائمة تحول التجارب المعاشة أو تعيد تعريفها جوهرياً، وهذا يعني أنها تقع غالباً خارج نطاق القياسات التقليدية للنمو الاقتصادي. بل ينبغي لنا في حقيقة الأمر أن نتوقع رؤية المزيد من الإبداعات المغيرة لكل ما تعودنا عليه، نظرا لوتيرة الإبداع الحالية.
تقتصر قياسات نمو الإنتاجية أو القيمة المضافة للتكنولوجيا على الإنتاج والاستهلاك القائمين على السوق. ولكن ثروة المرء المادية ليست مرادفاً لثروة المرء الحقيقية، والتي تتمثل في حرية المرء وقدرته على قيادة حياة رغدة مثمرة. يتشكل قسم كبير من ثروتنا الحقيقية داخل الأسرة، حيث يمكننا الجمع بين المدخلات الزمنية والمعلوماتية والاجتماعية التي لا ترتبط بالسوق وبين السلع والخدمات في السوق، من أجل تحقيق غايات مختلفة من اختيارنا.
وفي حين تُظهِر القياسات المعيارية هبوط نمو الإنتاجية، تقترح كل المؤشرات الأخرى أن نمو الإنتاجية الحقيقي يقفز إلى الأمام، نظراً لأشكال التآزر بين سلع وخدمات السوق وتكنولوجيات المعلومات والاتصالات الناشئة. ولكن عندما لا تحرص الدول حيث النمو الاقتصادي المنخفض على تعليم سكانها بالقدر الكافي، يخسر كل من هم دون الخُمس الأعلى بين فئات الدخل مكاسب النمو التي كانت لتعود عليهم من النمو الاقتصادي القابل للقياس، في حين يظل بوسعهم أن يستفيدوا من التكنولوجيات الجديدة القادرة على تحسين حياتهم ورفاهيتهم.
كما أشار الخبير الاقتصادي كارل بولاني في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، إذا وَعَد نظام اقتصادي بتوفير الازدهار المشترك ولكنه يبدو رغم ذلك وكأنه يخدم أعلى 20% من أصحاب الدخول فقط، فإنه بذلك يُحبِط الغالبية العظمى من توقعات المشاركين في الاقتصاد. ومن جانبها، لم تَفِ رأسمالية السوق بوعد الثمانينيات بتوفير نمط حياة ميسور على نحو متزايد والذي توقع كثيرون في ذلك الحين أن يتحقق.
وبدلا من ذلك، نشأت خلال السنوات الثلاثين الفائتة «طبقة فوقية» تمارس قدراً من القوة الاقتصادية النسبية أكبر حتى من ذلك القدر الذي مارسه البارونات اللصوص في العصر الذهبي. ولكن تظل العوامل التي ساهمت في نشأة هذه الطبقة ومنحها هذا القدر غير المستحق من القوة غير واضحة.

نائب مساعد وزير الخزانة الأمريكية الأسبق،

وأستاذ الاقتصاد في جامعة كاليفورنيا