محمد بن سيف الرحبي
تراجع الدولة الآن مسؤولياتها تجاه موازنة العام المقبل، حيث عرض مشروعها على جناحي مجلس عمان و»لمسنا» رضا عن أرقامها، وهذا دلالة تفاؤل على أن الأمور «تحت السيطرة» بالرغم من المخاوف لمواجهة أزمة «حقيقية» حاولت الحكومة أن لا يمسّ تأثيرها المباشر المواطنين قدر الإمكان، وأعني في ذلك الرواتب.
طبيعي أن تتصرف «الحكومة» لضمان سير الدولة بأقل الممكن من الأضرار، بالاقتراض أو زيادة الرسوم على بعض الخدمات، وغيرها من «الممكنات» في وقت تصاعد فيه الحديث عن تنويع مصادر الدخل وأين وصل، ومـــن الإجحاف القول إن البلاد لم تحقق شيئاً في هذا المجال، وإلا كان إعصار الأزمـــة خانقـــاً للجميع، ولكن من الصعب الإشارة إلى أن ما تحقق هو المبتغى والممكن فعله، فكانت الفرص الذهبية بين أيدينا كثيرة، إنما ضاعت بسبب التعقيدات وبطء الإجراءات وهيمنة أصحاب المصالح، حيث إننا نعيش حالة عجيبة، الوزير رجل أعمال، فكيف تنفذ القرارات التي تؤثر على مصالح مجموعة لها ثقلها على الساحة الاقتصادية.
لا نبتغي إطالة البكاء على اللبن المسكوب، ومـــا أكثره، إنما التفكير في عمـــان الحاضـــر والمستقبل، وإذا كان عام 2016 «كبيسا» فليكن العام التالي، ولم يتبق على دخوله سوى بضعة أسابيع، أقل ضغطاً، وبرأيي أننـــا عبـــرنا الأسوأ، واجتياز الأقل سوءاً ممكن جداً، رغم أن توابع الزلزال ستبقـــى سنوات تالية، والمهمة المقبلة هي اجتياز آثار ما حدث لبناء منظومة اقتصادية تمتص الصدمات.. أو على أقل تقدير لا تربك المسار التنموي، فتتعثر مشاريع وتشرف مؤسسات (خاصة) على الإفلاس.
كان التأثير بيّنا، وكانت إجراءات «التقشف» بيّنة أكثر.. وعلى امتداد عام مضى حدث ما لم يكن متوقعاً أن يحدث، أن تطال الأزمة التزامات الحكومة تجاه مؤسسات قدّرت استمراريتها وفق مشاريع/ منح دراسية مدفوعة من «سيولة» الخزينة الحكومية فإذا بخزائنها «تصفر» وقدرتها على الوقوف تهتز.
واضح أن هذه ضريبة التوسع التي حدثت خلال السنوات الفائتة، بعضها مدروس، وأغلبها جاء وفق مصالح أعلى، كون أن الفوائض المالية متاحة لتجاوز أزمات، هذه التي عبر بعضها، فيما ذهبت الفوائض، وأصاب التجمّد أوصال النفط فانكشفت أوضاع، ليس معنا فقط، بل عبر جميع البلدان المصدّرة، مهما قاومت أو عاندت.
وكانت خشية المواطن في العام الذي قرّب أن ينصرم كبيرة أن يزحف التقشف صوب رفع الدعم عن المزيد من الخدمات، تلك الضرورية التي لا مناص عنهـــا، المـــاء والكهرباء، أن تصل المراجعات إليهـــا، إنما كان من الرائع أن ترتفع أسعار الذهب الأسود قليلا قبل نهاية العام ليمكن التفاؤل أكثر بعام قادم، كمن يحرز هدفا في أواخر الشوط الأول يجعله يتفاءل بالشوط التالي.
إنما، وقبل أن يفكر أحد بخدمة تمس الناس كالكهرباء مثلا، لماذا لا يعاد النظـــر فـــي كل هذا «العبث» بالطاقـــة، وقد لا تشبهنـــا دولة أخرى في العالم، حتى دول العالم الغنية، أن تمتد مصابيح الإضاءة آلاف الكيلومترات على شوارعنا وفي معظم الحارات داخل المدن والقرى، وتبقى ساهرة تضيء الفراغ في معظم ساعات الليل.