
محمد بن سيف الرحبي
أمنية دائمة ترافقني، أن أرى العماني يدير مشروعه، ولو فعلنا ذلك لما بقيت لدينا معضلة «باحث عن عمل»، إذ الفرص سيصنعها ابن البلد لأخيه في هذه المواطنة، إنما كيف يبقى المشروع بيد «أجنبية» وتنحاز للمواطن؟!
شدّتني أفكار شباب حرصوا على أن يقدموا أنفسهم من خلال مشروع، لا عبر وظيفة، رسمية كانت أو خاصة، والبلاد التي يقصدها من تعذّر عليه الرزق في بلاده مؤكد أن بها من «الرزق» ما يكفي أبناء البلاد، لكن تحتاج إلى أصابع تحفر في الصخر، لا تيأس، وهمم تناطح الجبال، لا تصاب باليأس، وسواعد كلما فتّ إحباط قوتها ازدادت عزيمة أن تكافح، لا أن ترفع راية الاستسلام، مبررة أن «الآخرين» لا يريدون لها النجاح، ومن غرائب ما أسمع أن الحكومة لا تقف مع المواطن لينجح في مشروعه.
نعاني من بيروقراطية وبطء إجراءات ومشاكل إدارية.. هذا من صنع أيدينا، كلّ يعمل في حقله، ويستطيع أن يجبر «نظام المعاملات» على التخلص من ثقل حركته، ويمكن أن (نرفد) مشاريعنا بحيوية، لكن «الكلام»، انتقادا أو انتقاصا، لن يحرك صخرة صغيرة من مكانها، فكيف نواجه أحجارا عملاقة ترى أن اكتمال المستندات من عشر جهات مهم جدا ليفتح شاب ولو مقهى.. شاي كرك!!
من التجارب الجميلة التي شهدتها مؤخرا افتتاح مشروع «سينما البيت»، فكرة شبابية لتشاهد فيلمك المفضل، وحسب ما تجود به هوليوود وغيرها في حينه، ضمن جو عائلي، كأنما في بيتك، بينما تتناول طعامك، والأهم، تختار الوقت الذي يناسبك لمشاهدة الفيلم.
فكرة رائعة وراءها شباب يريدون الخروج من مربع «الدخل الوظيفي» لصالح تجربة جديدة، في بلادنا على الأقل، حيث تجمع العائلة في مشوار «ترفيهي» لمشاهدة أحدث الأفلام العالمية، وضمن قاعة تمنح للعائلة الخصوصية التي تريدها.
ونجد في وسائل الإعلام حوارات مع شباب تميزوا بأفكار بدأت صغيرة، ثم تطورت، وبعضها من يجني آلاف الريالات منها بعد أن كان يعاني من إيجاد سيولة للبداية، والانطلاق في عالم الأعمال، كأحد الإخوة الذي خرج متقاعداً، ومفلساً، من العمل الحكومي، لم يجلس يندب حظه (ككثيرين) إنما بدأ معلم قيادة سيارات «ثقيلة» مع شريك آخر.. ليكبر مكوناً مشروعه الخاص، وبعد سنوات قلائل أصبح يتكلم عن بنايات وأراض يمتلكها، وتأتي له بالمزيد من الدخل.
هكذا أنشأ شباب مشاريع «مقاولات»، بعضهم من سهر على المتابعة، وبينهم من جعل نفسه مجرد واجهة ورقية، كما حدث في المحلات التجارية، وغيرها مما يمكنه أن يكون قوة دفع للاقتصاد في صورته العامة، حيث الأموال تبقى في دورتها المحلية.
ما نخشاه على تجارب عدة أن يؤسسها شبابنا، ثم تسلم إلى «الآخرين» يتولون إدارتها بالنيابة عنّا، مكتفين بما يقال على أوراق الحسابات، أو ما ينفجر لاحقا من مشاكل مالية مخلفة تبعات على المواطن تولي.. دفع ثمنها.
إنما.. «ومن لا يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر».. وكم من الذين رضوا بالحفر، مكتفين بشتم الناجحين، وتبرير فشلهم.