
محمد بن سيف الرحبي
أنهيت قبل أيام قراءة كتاب مهم للروائي جورج أوريل عنوانه، وقد شدني كثيرا، لماذا أكتب؟ فهذا الكاتب العملاق قدم للسرد العالمي روايتين على قدر كبير من الأهمية، مزرعة الحيوان، و1984، بعمق يمكنني من تصنيفهما بأنهما أثّرا كثيرا في مشروعي القرائي، لا الكتابي، فليسا من الكتب التي يمكن نسيان ما أحدثاه من أسئلة أبقت دهشة الاطلاع على أحداثهما راسخة، رغم زحام العناوين والحكايات.
يختصر أوريل هدفه في هذا الكتاب بجملة تختزل رؤيته: "أكثر ما رغبت به هو أن أجعل من الكتابة السياسية فنا، عندما أجلس لكتابة كتاب لا أقول لنفسي: سوف أنتج عملا فنيا، أكتب لأن هناك كذبة أريد فضحها، حقيقة أريد إلقاء الضوء عليها، وهمّي الأول هو الحصول على مستمعين، لكن ليس بإمكاني القيام بمهمة كتابة كتاب".
حزرت، وأنا أقتني هذا الكتاب من مطار حيث عبرت ذات سفر بأنه يقدم تجربة الروائي جورج أوريل مع الكتابة الروائية، وكيف أنه قدم للعالم روايتين مهمتين كانت واحدة منهما بمثابة نبوءة حيث كتبها عام 1948 عاكسا الرقمين الأخيرين لتكون 1984، وشاءت رؤية الكاتب في تلك الرواية وهو يتحدث عن الأنظمة الشمولية أن تكون صورة طبق الأصل لممارسة الحزب الشيوعي زمن الاتحاد السوفييتي، كما أن مزرعة الحيوان تنطبق على واقع السياسة، خاصة في عالمنا العربي، ومن يقرأها يدرك معنى ما أشير إليه.
الكتاب تضمن مجموعة مقالات لأوريل من بينها واحد عنوانه "لماذا أكتب؟"، وبجوار تنظير ممل لحقبة أو دراسة نقدية "ثقيلة" فإن بعض المقالات حملت سردا حكائيا أخّاذا، يعكس الروح الناقدة للحياة، في أحدها يفلسف جورج أوريل نظرة السيد الإنجليزي / رجل الشرطة للشعب الذي يستعمره، متمثلا حكاية فيل يخرج عن السيطرة فيطالب السكان رجل السلطة بالتدخل لكبح جماح الحيوان الضخم، فيجهز بندقيته، وحتى عندما يغير رأيه في قتل حيوان يعتبره جزءا من دورة الإنتاج فإنه لا يمتلك قراره، بل يصبح الناس هم المتحكمين في قراره، وليس بوسعه التراجع، وعليه أن يضغط على الزناد كما هم يريدون، لا كما يرغب ذلك المتخاذل وهو يشعر بأن (التخاذل) أمام هؤلاء جريمة ستنعكس عليه بقسوة.
يمضي أوريل بمجموعة من المقالات الأدبية، بعضها حول طبيعة حياة بائع الكتب المستعملة، بما يبدو أنه قصة أدبية تروي سيرة هذا العمل وهو يواجه الغبار وباحثين عن معرفة رخيصة الثمن (نقدا) لكن بخبرتهم يحصلون على معرفة باهظة القيمة، وفي مقال آخر حول مراجع الكتب في دور النشر، ومدى الإنهاك الذي يصيبه، والمصادمات بينه ومكونات لا مناص من مقابلتها في دورة حياته، بين الكتب أو خارجها.
لكن المقالات السياسية أخذت حيزا، بينها المثير، في تلك المقاربات، خاصة في العلاقة بين دورة الحضارة الحديثة والأسلحة، وصولا إلى القنبلة النووية في فترة سعي الاتحاد السوفييتي لإنتاجها، يقول: "على سبيل المثال، تكون الدبابات والبوارج وطائرات القصف بطبيعتها أسلحة استبدادية، بينما البنادق والأقواس الطويلة والقنابل اليدوية هي بطبيعتها أسلحة ديمقراطية" مفسرا بأن الأسلحة المركبة تساعد الدول القوية على الاستبداد بينما تلك البسيطة تعطي مخالب للضعيف.