
كريستوفر ديمبك
يُعد انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإستراتيجية عبر المحيط الهادئ بمثابة خطوة في الاتجاه الخاطئ، وأسوأ السيناريوهات المحتملة بالنسبة للاقتصاد العالمي. وعلى الغالب، سيكون لهذه الخطوة 5 آثار مباشرة، إذ ستتسبب هذه الخطوة بتقليص حجم التجارة العالمية بصورة أكبر، وهو أمر يشهد تباطؤاً حاداً منذ حدوث الأزمة المالية العالمية، وبالتأكيد سيضع هذا الأمر حداً لعملية العولمة التي بدأت في أعقاب الحرب العالمية الثانية وحققت في الغالب الفائدة للدول الناشئة من خلال تفضيل ظهور طبقة وسطى واسعة في العديد من البلدان كالصين والبرازيل.
كما ستدفع الناتج المحلي الإجمالي العالمي، الذي يسعى جاهداً للوصول إلى مستويات ما قبل الأزمة، للانخفاض أكثر بشكل طفيف خلال السنوات المقبلة. كما تأجلت عودة النمو الاقتصادي القوي إلى أجل غير مسمى، ما يعني حاجة معظم الاقتصادات المتقدمة للاعتياد على متوسط النمو للناتج المحلي الإجمالي بحدود تتراوح بين 1 % و2 % وارتفاع مستوى البطالة.
كما أن خطوةً كهذه ستشير إلى نهاية اتفاقيات التجارة الحرة الإقليمية وتؤكد دخول الاتفاقية التي تم التفاوض بشأنها بين الولايات المتحدة وأوروبا في حالة موت سريري؛ حيث إن المسؤولين في المفوضية الأوروبية هم وحدهم من لا يزال لديهم اعتقاد بإمكانية التوصل إلى اتفاق خلال الأشهر المقبلة. وتتجه مسألة توقيع اتفاقيات تجارة حرة كبرى بين المناطق لتصبح جزءاً من الماضي. وتشير هذه الخطوة إلى عودة النزعة الحمائية، ولو بشكل مخفي خلال الوقت الراهن، ويمكن لهذا الأمر أن يؤدي إلى نشوء حواجز تجارية أعلى، وخفض التنافسية خلال ولاية الرئيس ترامب. ومع ذلك، أثبت هذا النوع من الاستراتيجية الاقتصادية فشله الكبير في ثلاثينيات القرن الفائت، ولا يوجد أي سبب يدفعنا للاعتقاد بأنه قادر على العمل بصورة أفضل في الوقت الحاضر.
تؤكد هذه الخطوة على الانسحاب البطيء للولايات المتحدة من منطقة آسيا والمحيط الهادئ التي تعد منطقة نفوذها التقليدية. وسيشكل هذا الأمر فرصةً ذهبيةً للصين من أجل توسيع نفوذها في المنطقة. وستكون الصين، غير المنضمة إلى اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإستراتيجية عبر المحيط الهادئ، قادرةً على أخذ زمام المبادرة مرةً أخرى في آسيا وأمريكا اللاتينية، محققة أقصى استفادة ممكنة من تقلص نفوذ الولايات المتحدة. ويعد هذا الأمر بمثابة تأكيد على أن الولايات المتحدة تعود بشكل تدريجي إلى الانعزالية، كما كان الحال في عشرينيات القرن الفائت على سبيل المثال.
وبالنسبة للأسواق المالية، من الصعب تحديد التأثير المباشر لهذه الخطوة. ومع ذلك، لا يمكن أن تكون جوانب مثل انخفاض مستوى النمو العالمي وتراجع تدفقات رأس المال الأجنبي في البلدان الناشئة، والظهور المحتمل للقيود التجارية بمثابة أمر إيجابي على المدى الطويل. أما بالنسبة لأسواق الأسهم، ففي الوقت الراهن، تسير هذه الأسواق في منحىً جيد نظراً لأن السياسة النقدية لكل من بنك الاحتياطي الفدرالي والبنك المركزي الأوروبي لا يزال لها تأثير حاسم على أسعار الأصول المالية. ومع ذلك، في مرحلة ما، سيحمل النمو الضعيف خلال فترة زمنية طويلة تأثيراً سلبياً في نهاية المطاف على نتائج الشركات المدرجة وبالتالي على المؤشرات العالمية الرئيسية.
وتتسم الفترة المقبلة بانعدام اليقين من وجهة نظر اقتصادية. وتؤكد أحدث المؤشرات أن الولايات المتحدة تمتلك اقتصاداً سليماً، إلا أنها باتت على أعتاب الوصول إلى نهاية الدورة الاقتصادية.
رئيس قسم التحليلات الشاملة لدى "ساكسو بنك"