
محمد محمود عثمان
بعد موافقة صندوق النقد على منح مصر قرض بقيمة 12 بليون دولار على دفعات خلال ثلاث سنوات، وعلى الرغم من أن الصندوق سيئ السمعة لأنه سوف يفرض قيوداً قد تعانيها الطبقات الأكثر احتياجاً، فإن الحكومة ترى فيه العديد من الإيجابيات من خلال المساعدة في تقليص عجز الموازنة وإيقاف خسائر شركات قطاع الأعمال غير المتعثرة، بالإضافة إلى السعي لتحديد سعر موحد للدولار والقضاء على السوق الموازية "السوق السوداء".
ولاسيما أن موافقة الصندوق على إقراض مصر شهادة ثقة للاقتصاد المصري ورسالة طمأنينة للمستثمرين في الخارج بالإضافة إلى إمكانية الحصول على حزم تمويلية وقروض أخرى من مؤسسات مالية وتمويلية دولية أخرى كالبنك الدولي والبنك الإفريقي للتنمية،
ولكن يرى كثير من المتخصصين أن هناك آثاراً وتداعيات سلبية وأن محدودي الدخل والفقراء هم أول المتضررين، حيث يتحمّلون العبء، خاصة بعد رفع الدعم عن بعض الخدمات ورفع سعر الوقود والمحروقات بالإضافة إلى تعويم الجنيه وخضوعه لقاعدة العرض والطلب، ومن ثم عدم القدرة على التحكم في سعر الصرف، وارتفاع أسعار السلع التي ستشهد طفرة كبيرة نتيجة للإجراءات التي من المقرر تنفيذها ضمن برامج الإصلاح الاقتصادي وبالتالي ستحدث طفرة في ارتفاع الأسعار الموجودة في السوق المصري، في ظل ثبات المرتبات وضعف مستوى المعيشة، وتطبيق ضريبة القيمة المضافة إلى جانب الضرائب والرسوم الأخرى القائمة، وزيادة نسبة الدين الخارجي؛ لأن ارتفاع سعر الدولار يعني ارتفاع قيمة الدين العام بالعملة الأجنبية والمقدر بأكثر من 70 بليون دولار (56 بليون للخارج، و17 بليون لبنوك محلية)، وأن كل جنيه ارتفاع في الدولار يعني 76 بليون جنيه إضافة تلقائية للدين العام، فضلاً عن زيادة خدمة الدين المتمثلة في الفوائد، بالإضافة إلى مشكلة العديد من الشركات الأجنبية التي تعمل في مجال الاستثمار لها مستحقات ولا تستطيع تحويل أرباحها، وتنتظر الدفعة الأولى من التمويل سواء من الصندوق أو جهات أخرى للوفاء بمستحقاتها، بدون أن تعلم بأن قرض صندوق النقد الدولي جزء من الحل ولكنه ليس العصا السحرية لحل الأزمة الاقتصادية، التي تتطلب عدم رفع سقف التوقعات، وألا نتخيل أن صندوق النقد هو الحل لكل مشاكلنا الاقتصادية؛ لأنه لا بد أن يأتي الحل من المصريين بالعمل الجاد، وزيادة الإنتاج وتعزيز الصادرات للخارج التي تراجعت في السنوات الأخيرة مع توقف الكثير من الشركات والمصانع، مما أضعف القدرات التصديرية لمصر في الأسواق العالمية، وتسبب في زيادة العجز في الميزان التجاري الناتج عن الاعتماد الكبير على الاستيراد، وهبوط الاحتياطي النقدي وانخفاض الاستثمارات وهروب رؤوس الأموال، بعد أن اهتزت ثقة المستثمر في الاقتصاد، باعتبار أن ذلك هو الحل السحري الذي يمكن أن نتغلب به على هذه الأزمة؛ لأن الفجوة الاقتصادية متكررة كل عام وهكذا، بل وسوف تتكرر في ظل التقاعس عن الزيادة الحقيقية للموارد الذاتية من الدولار، من خلال القطاعات السياحية والصناعية، وجذب الاستثمارات الأجنبية وتحويلات العاملين في الخارج وعائدات قناة السويس، وإزالة التخبط في القوانين والإجراءات المنظمة للاستثمار لتحسين المناخ الاستثماري، وتبسيط الإجراءات وإزالة المعوقات التي تقف مانعاً أمام تشجيع المستثمرين من الدخول بقوة إلى السوق المصري.
وكذلك من الضروري زيادة التأهيل والتدريب للأيدي العاملة المصرية لزيادة قدرتها التنافسية في الأسواق الخارجية؛ لأن القضية الأساسية في الأزمة هي مدى القدرة على تخفيض العجز الفادح في الميزان التجاري الناتج عن الاعتماد الكبير على عمليات الاستيراد، ومن ثم علينا أن نتحرك سريعاً حتى لا تذهب كل المجهودات سدى وكأننا نحرث في الماء، أو نبني قصوراً على الرمال، وأن نفكر من خارج الصندوق لمواجهة التداعيات السلبية لتعويم الجنيه ولشروط صندوق النقد الدولي المجحفة بقدر الإمكان وتعزيز شبكة الحماية الاجتماعية أثناء عملية الإصلاح حتى يشعر بها المواطن البسيط والمستثمر المصري والخارجي، وتكون نقطة انطلاق حقيقية وجادة للاقتصاد المصري وإنقاذه من الغرق بعد تعويم الجنيه.