"تنفيذ" بعد التنمية

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٢٠/نوفمبر/٢٠١٦ ٠٤:٠٥ ص
"تنفيذ" بعد التنمية

علي بن راشد المطاعني

تمر التنمية في الدول بمراحل عدة وفق للعديد من الاعتبارات المجتمعية من جانب، والمتغيرات المحيطة من جانب آخر، في المقابل أولويات الدول في التنمية وبسط خدماتها تختلف من بلد إلى آخر، وفق العديد من الظروف والاعتبارات -وهو ما يجب أن نعيه- على كل الأصعدة والمستويات.
فالتنمية في السلطنة مرت بهذه المراحل دون شك، ولكنها بدأت من نقطة الصفر، تعيد بناء وطن مترامي الأطراف، ومتباين في التحديات، كثير الالتزامات وقليل الإمكانيات -هذه حقيقة يجب الإقرار بها- لذلك بدأت خطط التنمية الخمسية تخطط للمشاريع وفق أهميتها وضرورتها وجدواها للسكان من كل الجوانب لإيصال الخدمات إلى مستحقيها في هذا الوطن العزيز على قلوبنا جميعا، ووفق أسس ومعايير دقيقة تأخذ بكل الأبعاد الهادفة إلى مد الخدمات إلى المواطنين أينما كانوا في ربوع السلطنة بدون تمييز.
فالتنمية تمضي وفق أهداف واضحة مبنية على تطور المجتمع من كافة الجوانب، ومازال في هذا النهج وسيظل كذلك، بوصفه النهج الصحيح الذي قد يبلور ما ترميه إليه الخطط التنموية من توظيف المقدرات الوطنية في موضعها، واستثمار الموارد الطبيعة بدون إخلال بالبيئة، فكانت تلك المعادلة التي أسست عليها التنمية التي ننعم بخيراتها وسنظل ندين لها مهما بقينا.
فأسهمت التنمية طوال العقود الفائتة في التركيز على البنى الأساسية التي تحتاج لها البلاد، من تعليم وصحة وكهرباء ومياه وتنمية اجتماعية وغيرها، فكان سباقاً مع الزمن لمد هذه الخدمات المهمة للسكان إلى كل شبر في هذا الوطن، كأحد الأساسيات التي تفرض على الحكومة صرف مبالغ طائلة لتنفيذ المشاريع التنموية.
فلا يجب أن نلقى باللوم على ما فات وأننا خسرنا الرهان للمستقبل، وأننا لم ننوع مصادر الدخل في البلاد، وإلى غير ذلك مما نسمعه، بقدر النظر بعقل لما تحقق من تنمية في البلاد، وأنه لا يمكن أن تنوع مصادر دخل، ما لم تكن لدينا بنى أساسية قادرة على الإيفاء بمتطلبات التنويع الاقتصادي، بظروف مهيئة لها من كافة الجوانب خاصة المجتمع الذي هو الطرف الأهم الذي يقود التنويع الاقتصادي، وهذا ما يجب أن يعيه الجميع، لا أن يقف متحسراً على مرحلة كانت الأساس لما نشهده من تطور في الوقت الراهن، وبدونها لا يمكن أن ننوع اقتصادنا.
فعلى سبيل المثال هل من الممكن أن تنهض السياحة بدون شبكة طرق، وهل من الممكن أن نقيم مرافق سياحية بدون شبكات مياه وكهرباء، بل هل من الممكن أن نفتح السياحة على مصراعيها بدون أن يكون المجتمع متهيئاً لهذه المرحلة، كل هذه الأسئلة وغيرها يجب أن نسأل أنفسنا قبل أن نطلب بالتنويع الاقتصادي في هذا القطاع أو ذاك.
رغم ذلك كانت هناك جهود تمضي لتنمية القطاعات الاقتصادية منذ مطلع العام 1970، جنباً إلى جنب مع التنمية الاجتماعية والثقافية في سباق مع الزمن، وتجاوز لكل التحديات، لزيادة العوائد من مجالات الزراعة والأسماك والسياحة والمعادن وغيرها التي تشكل لبنة أساسية لمسار تنويع مصادر الدخل التي نشهدها اليوم، فلا يجب أن نبخس الأمور حقها ولا يجب أن نقلل من الجهود التي بذلت في كل المجالات التنموية والاقتصادية مهما كانت ضئيلة لأمور عدة.
فاليوم عندما يأتي "تنفيذ" ليقيِّم المرحلة الفائتة وما شهدته من تطورات، لبناء اقتصاد متنوع، يوظف المقومات الوطنية لتنويع مصادر الدخل، بمشاركة واسعة من أطياف المجتمع العماني بكافة شرائحه، فتلك خطوة لانطلاقة جديدة في مسار التنمية الاقتصادية في البلاد الهادفة إلى التنويع الاقتصادي، والبناء على ما تحقق من منجزات في السنوات الفائتة سواء من تهيئة الظروف الملائمة، أو إحداث نقلة نوعية في تنويع مصادر الدخل، لكن بوتيرة أسرع تختزل الجهد والوقت، وتتجاوز الصعوبات، فضلاً عن أنها محاولة لتجسير الفجوة في المشاركة في صياغة القرار الاقتصادي، والاطلاع على ما يجب عمله في المرحلة المقبلة.
في الفترة الفائتة انتهت مختبرات "تنفيذ" من بلورة التوجهات الاقتصادية المقبلة من خلال حلقات عمل متخصصة، في تفاعل غير مسبوق يعكس الرغبة في الخروج بنتائج لمسار أفضل لتنويع مصادر الدخل في البلاد، واطلاع أطياف المجتمع على ما يجب عمله ليكونوا على اطلاع لما هو قادم، ويسهموا بآرائهم ومقترحاتهم في ماهية متطلبات التنويع الاقتصادي وضريبته، وكيفية النهوض به إلى ما نتطلع إليه في خضم الجهود المبذولة من الحكومة في هذا المسار.
إن النقاشات التي سادت ورش المختبرات والمشاركة الكبيرة من الاقتصاديين والفعاليات المجتمعية، أفرزت مبادرات لتنويع الاقتصادي ستسهم في إطلاق قطار التغيير في التعاطي مع الشأن الاقتصادي وما يتطلبه من تفعيل الإجراءات المرخصة للأنشطة، فالوقوف على العقبات وكيفية تجاوزها من خلال ما طرح كان أحد ثمرات "تنفيذ" في الانتهاء من البيروقراطية التي نأمل أن تجعل كل الطرق سالكة نحو التنويع الاقتصادي الفعلي.
فـ "تنفيذ" جاء -ربما- في الوقت الذي أصبح متاحاً أن يكون التنفيذ في مساره الصحيح، بعد أن تهيأت كل السبل له للعمل في أرضية صلبة باكتمال المرافق والخدمات والوعي المجتمعي، والأرضية الآن ملائمة للانطلاقة الاقتصادية التي تستثمر الموارد الطبيعية لهذا الوطن، وأصبح المواطن قادراً على التعاطي بإيجابية مع المتغيرات التي تحيط به بوعي الذي يميز الغث من السمين.
بالطبع "تنفيذ" لكي يكون تنفيذاً على الأرض يحتاج إلى جهود كبيرة وتضافر كل الفئات، وهو ما يجب التنبه له، وهو كذلك لا يحمل حلولاً سحرية ما لم يتفهم الجميع مقتضيات المرحلة وضرورتها على كل الأصعدة والمستويات.
نأمل أن نشهد ميلاد مرحلة جديدة من العمل الوطني، تحمل الآمال والطموحات وترتقي بالمتحقق إلى ما يتطلع إليه الجميع من أبناء الوطن العزيز.