استباحة العالم العربي

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ١٥/نوفمبر/٢٠١٦ ٠٤:٠٥ ص
استباحة العالم العربي

استباحة العالم العربي تدق أجراسا تنبه
الجميع إلى ضرورة وضع حد للكارثة.

(1)

من أخبار الأسبوع الفائت أن روسيا أكدت رسميا أنها بصدد استئناف الضربات الجوية، ونقلت وكالة «إنترفاكس» عن مصدر في وزارة الدفاع الروسية قوله إن غواصات تابعة لحلف شمال الأطلسي تعقبت مجموعتها القتالية في البحر المتوسط، وأن سفنا حربية روسية طاردت غواصة هولندية قامت بمناورات خطيرة بالقرب منها. وكانت موسكو قد حشدت مجموعة قتالية كبيرة في البحر المتوسط تضم حاملة الطائرات الوحيدة لديها بهدف دعم حملتها الجوية في سوريا.
في نشرة أخبار الأسبوع أيضا أن بريطانيا أرسلت مدمرة عسكرية متطورة إلى السواحل اليمنية لمواجهة التهديدات التي تواجه الملاحة الدولية في المنطقة هناك، خصوصا في باب المندب. أذاعت الخبر صحيفة «التايمز» التي ذكرت أن أكثر المدمرات البريطانية تطورا (إم إتش إس داينج) ستقوم بحماية المصالح البريطانية في المنطقة وستشارك في عمليات عسكرية مع التحالف الدولي لمكافحة داعش في وقت لاحق من الشهر الحالي. في النشرة ذاتها أن لقاء استغرق ٤ ساعات ونصف الساعة عقد في أنقرة بين رئيس هيئة الأركان التركي خلوصي أكار ونظيره الأمريكي جوزيف دانفورد (هو الثاني بينهما في أقل من شهر) تم فيه تعزيز التنسيق القائم بين تركيا والتحالف الدولي الذي يستهدف القضاء على داعش. وصرح وانفورد بعد اللقاء أنه اتفق مع الأتراك على كيفية تخليص الرقة من داعش، وطريقة إدارة المحافظة بعد تحريرها.
في ذيل النشرة خبر عن تعزيز القوات الأمريكية في العراق استعدادا لحسم معركة الموصل، وآخر عن تسرب تسجيل لإحدى الطائرات العسكرية الأمريكية مع إحدى القواعد العسكرية في ليبيا أوصى باشتراك الأمريكيين في الصراع الدائر هناك لصالح الفريق حفتر، الذي تدير أنشطته العسكرية غرفة عمليات يشرف عليها الفرنسيون.

(2)

خلاصة النشرة أن الجميع يتحركون في الفضاء العربي ويرتبون مستقبل الأمة في غياب شبه كامل لأي دور عربي. للدقة فإن ذلك الدور الأخير بات مقصورا على الحروب الأهلية في داخل قطر عربي، أو بين التحالفات المتباينة في المحيط العربي ذلك أن العرب يحاربون بعضهم البعض في سوريا والعراق واليمن وليبيا ولبنان، كما أنهم يتحاربون داخل كل قطر في صراع الهويات الطائفية والعرقية والقبلية فضلا عن السياسية.
يعيد المشهد إلى الأذهان وضعا أسوأ مما كانت عليه المنطقة في أعقاب الحربين العالميتين، حين ظهر بعد الحرب الأولى نظام الانتداب الذي قررته عصبة الأمم، وهو الذي تطور إلى نظام الوصاية في أعقاب الحرب الثانية. أقول أسوأ لأن شعوب المنطقة كانت تحت الاحتلال آنذاك، ومن ثم فقد كان العدو المتمثل في سلطة الاحتلال واضحا. وكان الاحتشاد في مواجهته مبررا ومطلوبا. إلا أن الوضع الراهن قلب الآية رأسا على عقب. إذ أصبح الاحتلال مرغوبا وصار الاقتتال داخل البيت العربي الكبير من أبرز سمات المرحلة.
الرمز الواضح الدال على ذلك جسدته واقعة الاحتفال الرسمي ــ وسط صمت عربي مطبق ــ بإقامة قاعدة عسكرية بريطانية دائمة في البحرين عام 2014، أي بعد 43 عاما من إغلاق القاعدة البحرية البريطانية (في عام 1971)، وهو ما اعتبر إعلانا عن أفول مرحلة الاستعمار التقليدي. إذ سمح الاتفاق الذي وقعه وزيرا الخارجية في البلدين بعودة البحرية البريطانية إلى الخليج في القاعدة الضخمة. على الرغم من أن ثمة قاعدة أمريكية في البحرين تتمركز فيها قيادة الأسطول الخامس، وأن فرنسا أقامت في دولة الإمارات أول قاعدة عسكرية لها خارج أفريقيا، كما أن القواعد الأمريكية منتشرة في أنحاء الخليج.

(3)

ثمة حجة تقليدية تساق في معرض تبرير الوهن الذي أصاب العالم العربي، تتلخص في أن الغرب الطامع في المنطقة سواء لموقعها الاستراتيجي طورا أو لثروتها ونفطها في طور آخر لم يرد لها أن تنهض وحرص على إضعافها طول الوقت. وهي مقولة صحيحة نسبيا، تؤيدها تجربة الدول الكبرى مع محمد علي باشا والي مصر وحاكمها في القرن التاسع عشر. ذلك أن الإصلاحات التي قام بها في مختلف المجالات خصوصا العسكرية، أزعجت تلك القوى آنذاك، فتم تدمير أسطوله من ناحية وأرغم على تحجيم قوته والخضوع للسلطان العثماني من ناحية أخرى، وتم ذلك في عام 1840 بمقتضى معاهدة لندن (وقعتها إنجلترا وفرنسا وروسيا والنمسا وبروسيا) ــ آنذاك حوصرت السواحل المصرية وألزم بإخلاء كريت والحجاز وأضنة، ومن أهم ما نصت عليه المعاهدة أنها اعتبرت جيشه جزءا من الجيش العثماني، وفرضت عليه ألا ينشئ سفنا حربية إلا بموافقة السلطان. وهددت باستخدام القوة إذا لم يقبل بذلك. على الرغم من أن المقولة صحيحة من الناحية التاريخية فإنه يعيبها أنها تلغي دور الإرادة الوطنية، وتسلم بأن المصير يصنعه الآخرون ويقررونه. ذلك أن القوى الكبرى تبنت موقفا يخدم مصالحها، ولا يتوقع منها أن تسهم في النهوض بالأقطار التي احتلتها. وما فعلته تلك القوى مع محمد علي في مصر تكرر مع الهند والصين مثلا. إذ في نفس العام الذي أبرمت فيه معاهدة لندن (عام ١٨٤٠) كانت بريطانيا تشن على الصين حرب الأفيون التي استهدفت تركيعها. وهي الحرب الشرسة التي وصفها المؤرخ البريطاني توماس أرنولد بقوله إنه لم يحدث في التاريخ أن شنت دولة على أخرى مثل ذلك القدر من الظلم والخسة الذي أنزلته بريطانيا بحق الصينيين. أما فظائع البريطانيين في الهند فهي لا تعد ولا تحصى. مع ذلك فقد نهض البلدان على النحو الذي نشهده. بعدما توافرت لهما الإرادة الوطنية التي حققت الطموح المنشود.

(4)

في تحرير الواقع العربي الراهن وتفسير الاستباحة التي يعاني منها العالم العربي، فإننا لا نستطيع أن نشير إذن إلى «المعامل الاستعماري» الذي تحدث عنه مالك بن نبي في كتابه «شروط النهضة»، وإن كنا نرى وجاهة في استخدام مصطلح «القابلية للاستعمار» الذي نحته وأطلقه قبل أكثر من ستين عاما. إلا أننا نجد في كتاب «مفهوم الدولة» للمفكر المغربي عبدالله العروي إضاءات تساعدنا على تشخيص الأزمة التي نواجهها. ذلك أنه أشار إلى أن العالم العربي أقام في مرحلة ما بعد الاستقلال الدولة السلطانية وليس الدولة الديمقراطية، واجتمعت في الدولة الجديدة صفات التسلط والقهر والسطو والاستغلال، أضيف إلى ما سبق أن العالم العربي في مرحلة ما بعد الاستعمار أقام أنظمة وليس دولا. ذلك أن الدولة في المفهوم القانوني هي ظاهرة اجتماعية نشأت بمقتضاها كيانات ذات سيادة تعيش في ظلها مجموعات من الناس، يخضعون لنظام سياسي يدير شأنها العام، وهو ما يعني أن النظام السياسي هو أحد عناصر الدولة وليس كلها. وهو ليس الحكومة وحدها ولكن إدارة الدولة تتم من خلال المؤسسات الموازية المستقلة ومنظمات المجتمع المدني.

كاتب مصري