من المستفيد من الصراع الفتحاوي؟

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ١٥/نوفمبر/٢٠١٦ ٠٤:٠٥ ص
من المستفيد من الصراع الفتحاوي؟

غازي السعدي

شكل الجيش والاستخبارات الإسرائيلية في هذه الأيام- حسب جريدة «هآرتس 28-10-2016»- طاقماً خاصاً للمتابعة واستعداداً لسيناريو انهيار السلطة الفلسطينية، برئاسة «أبو مازن»، وذلك على خلفية التوترات التي سادت بعض مخيمات الضفة الغربية، وقطاع غزة، بين أتباع الرئيس «عباس» - كما ذكرت صحيفة «هآرتس»- وتيار جماعات من حركة فتح تتعدد ولاءاتها، في أعقاب فصل عضو اللجنة المركزية والمجلس التشريعي «محمد دحلان» من حركة فتح، مع مجموعة من مؤيديه، وإقصائهم من المشاركة في مؤتمر حركة فتح المقبل ، الذي سيعقد في نهاية هذا الشهر، فالجيش الإسرائيلي يستعد لعدة سيناريوهات يتوقع حدوثها في الضفة الغربية، من بينها حدوث نزاع مسلح يؤدي إلى انتقال السلطة إلى رئيس جديد، لكن، وكما يقولون، فإن الجيش لا ينوي التدخل في هذه الخلافات، لكن تصريحات مسؤولين إسرائيليين بأن «عباس» ليس شريكاً بالسلام، وما جاء في جريدة «هآرتس» بأن «عباس» يعيش في الوقت الضائع، وأنه بدأ العد التنازلي لانتهاء حكمه، ومزاعم وزير الجيش «أفيجدور ليبرمان» بأن الجميع سئم «عباس» لأن المساعدات الهائلة التي تتلقاها السلطة تذهب لأولاده وأقربائه، وتصريحات «آفي ديختر»، رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، عن تزايد ظاهرة محاولة المخيمات والقرى الاستقلال في كل شيء عن «أبو مازن»، وقوات أمنه، هذه الأمثلة هي غيض من فيض، وهي تصريحات تنفي ادعاءات الجيش والحكومة الإسرائيلية بأنهم لا ينوون التدخل في الخلافات الفتحاوية، بل العكس هو الصحيح، فإسرائيل تراقب ما يجري في الساحة الفلسطينية، ومن مصلحتها تشجيع الخلافات، لإشغال الفلسطينيين بعضهم ببعض، بدلاً من الانشغال في مقاومة الاحتلال.

الخلافات بين الرئيس «محمود عباس»، و«محمد دحلان»، بدأت أواخر عام «2010»، عندما انتشرت تقارير تتحدث عن أن «دحلان» يخطط للانقلاب على «أبو مازن»، أدى ذلك إلى قيام عباس بخطوة سريعة كانت نهايتها في يناير «2011»، بطرد «دحلان» من حركة فتح، ومنذ ذلك الحين يحاول «دحلان» حشد الدعم له خاصة في مخيمات اللاجئين، في الداخل وفي الخارج، وحسب محللين فإن هذا الصراع ساهم في إضعاف مكانة «عباس» والسلطة الفلسطينية، في الوقت الذي دعمت فيه الرباعية العربية «مصر والسعودية والإمارات والأردن»، المصالحة بين «عباس» و»دحلان»، وكان «دحلان» قد دعا «عباس» في الماضي للتنحي، وانتقده في تصريحات صحفية له، ففي مقابلة لـ «دحلان» بتاريخ «23-10-2016»، مع قناة «بي.بي.سي»، اتهم «أبو مازن» بأن هدفه الوحيد تقزيم وتقليص حجم حركة فتح، كي يتلاءم مع طموحاته الصغيرة، حركة محدودة القوة والقدرة ومطيعة، وأن ابو مازن ماضٍ في طريق التخريب، ويضيف «دحلان»: إما أن توافقوا على كل أفكاره، أو تنافقوا أو تفارقوا، إنه ماضٍ في طريق التخريب».

من على منصة الكنيست، لدى افتتاحها الدورة الشتوية، اتهم «نتنياهو» «أبو مازن»، أنه رافض للسلام، ولا يريد إدارة مفاوضات، وهذه مغالطات واضحة، أي أن على «أبو مازن» القبول بإملاءات «نتنياهو»، أو اتهامه كل يوم بتهمة جديدة، غير أن رئيس قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية، وجه صفعة لـ «نتنياهو» بقوله: أن «أبو مازن» شريك في المفاوضات، وأنه يحارب «الإرهاب»، فمن هو الأصدق «نتنياهو»، أم رئيس قسم الأبحاث البريغادير «درور شالوم»؟ فـ «نتنياهو» في خطابه بالكنيست، أكد على اعتزازه بقوة إسرائيل العسكرية، ورفضه العودة إلى حدود عام 1967، ورفضه تقسيم القدس، مؤكداً على مواصلة الاستيطان، ويدعي بأن عرباً كثيرين في العالم العربي باتوا يعتقدون أن إسرائيل ليست عدواً، فأوراق «نتنياهو» مكشوفة، فهو ليس شريكا للسلام، ولا يريد السلام بل يواصل البناء الاستيطاني، ويواصل الكذب والخداع.
قادة عرب يحاولون القيام بمصالحة بين «عباس» و«دحلان»، وفرض تغييرات في الساحة الفلسطينية، فهناك صراعات داخلية متزايدة في الأراضي الفلسطينية، عنوانها من سيخلف «عباس» الذي بلغ من العمر ما ينوف الثمانين عاماً، فرئيس لجنة الموازنة في المجلس التشريعي الفلسطيني «جمال نصار»، ربط بين امتناع السعودية عن تسديد حصتها الخاصة بدعم السلطة الفلسطينية، لأسباب سياسية، على خلفية فشل اللجنة الرباعية العربية في تحقيق المصالحة، من جهة أخرى أفادت وكالة «سما» الإخبارية بتاريخ «6-11-2016»، أن هناك سياسة مصرية جديدة تجاه قطاع غزة، فالرؤية المصرية الجديدة من أسبابها الفشل في إقناع «عباس» بالتصالح مع «دحلان»، من جانبه أكد عضو المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية» وجود رؤية مصرية جديدة تجاه القطاع، وتعهد أن تعمل حماس على إنجاح رؤية مصر الجديدة، ويؤكد الكاتب والمحلل السياسي مصطفى الصواف وجود سياسة مصرية جديدة مرتبطة بأسباب عديدة، منها معاقبة «عباس» لرفضه التصالح مع «دحلان»، وهذا ما يراه آخرون، فمصر تسمح لـ «دحلان»، بعقد لقاءات مع العشرات من مؤيديه في القاهرة، بعد قمع اجتماع لمؤيديه في مخيم الأمعري بالضفة، من قبل الأمن الفلسطيني، تحت عنوان توحيد صفوف حركة فتح، دعوا فيه إلى اعتماد مبادرة اللجنة الرباعية العربية للمصالحة، و»دحلان» يعتبر أن «أبو مازن»، والسلطة، كذلك حماس، في أضعف حالاتهم في تاريخ القضية الفلسطينية، وقال «دحلان» في تصريحات صحفية أن على «أبو مازن» تحمل كامل مسؤولية الفشل خلال السنوات العشر من حكمه، أمام أبناء فتح أولاً، وثم أمام أبناء الفصائل الوطنية الفلسطينية، وثم أمام الإقليم، بينما يحذر «أبو مازن» الدول العربية من التدخل بالشأن الفلسطيني الداخلي، ومعنى ذلك تحرير الدول العربية من مساعدة الشعب الفلسطيني في المحنة التي يمرون بها، وفي صراعهم ضد الاحتلال الإسرائيلي، والناطق بلسان الرئاسة الفلسطينية «نبيل أبو ردينة»، يكرر التحذير من التدخل في استقلالية القرار الفلسطيني، وأن مثل هذه التدخل سيكون مصيره الفشل، كما حدث خلال السنوات الأربعين الفائتة.
على جدول أعمال مؤتمر فتح العتيد، قضايا سياسية، والصراع مع الاحتلال، وعملية السلام، والوضع الفلسطيني الداخلي، وانتخاب لجنة مركزية جديدة من (23) عضواً، وانتخاب المجلس الثوري من (132) عضواً، وفي الوقت الذي لا يوجد من ينافس «عباس» على رئاسة السلطة وحركة فتح، فإن الحديث في الداخل والخارج والشائعات كثيرة حول الشخص الذي سيخلف «عباس» في يوم من الأيام، وبينما يحاول «دحلان» العودة إلى حركة فتح من خلال الرباعية، فإن تياره يتهم «أبو مازن» بالإسراع في عقد مؤتمر فتح، لإقصاء مؤيدي «دحلان» في اللجنة المركزية والمجلس الثوري، واستبدالهم بعناصر مواليه له في المركزية والثوري، وأكثر ما يخشاه الفلسطينيون، أن يتحول هذا الخلاف إلى مواجهات وصدامات ميدانية مسلحة، تصب في خدمة الاحتلال الإسرائيلي، فالمؤتمر سيعقد وسط انقسامات فتحاوية داخلية، وإحباط يسود الشارع الفلسطيني الناجم عن الاحتلال الإسرائيلي، ليبقى السؤال: من المستفيد من هذا الصراع الفتحاوي؟ وإلى أين وصل مسار القضية الفلسطينية وسط هذا الخلاف، وخاصة مع إعفاء الدول العربية من مسؤوليتها تجاه القضية والشعب الفلسطيني؟

مدير دار الجليل للنشر والدراسات الفلسطينية