
ناصر اليحمدي
كلما مرت الأيام يشعر كل من يعيش على الأرض الطيبة بمقدار ما تحقق من إنجازات تتوالى الواحدة بعد الأخرى حيث تشق مسيرة النهضة العمانية الشامخة طريقها بثقة واقتدار وهي تمخر عباب الحياة الصعبة متجاوزة كافة التحديات والعقبات التي تواجهها والتي تزيدها صلابة وعزما نحو بلوغ أهدافها العليا بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس ين سعيد المعظم حفظه الله ورعاه حتى تحقق لها النجاح الباهر الذي تشخصه الأبصار في كل شبر بالبلاد.
لقد استطاعت نهضتنا العظيمة بفضل وضوح الرؤية وتحديد الهدف والحفاظ على القيم الأصيلة والمبادئ الراسخة أن تكون نموذجا مثاليا للتجربة التنموية الناجحة التي يضرب بها الأمثال عبر التاريخ لأنها وضعت المواطن في بؤرة كل الأهداف التي رسمتها ومنحته الأولوية والرعاية والاهتمام وحققت من أجله الإنجازات التي تقوم بتنشئته وإعداده وتأهيله بما يصب في صالحه الشخصي إيمانا منها بأن ذلك في النهاية يصب في صالح الوطن ككل لأن تنمية الفرد الذي يعد اللبنة الأولى لأي مجتمع هو بداية تنمية هذا المجتمع.
لاشك أن ما تجنيه بلادنا من ثمار الأمن والأمان والرخاء يعود الفضل فيه بعد الله سبحانه وتعالى إلى قائدنا المفدى ورجاله الأوفياء .. فقد استطاع جلالته بفكره الحكيم وسواعد أبنائه أن يواكب المعطيات الحضارية حيث أنتج وأبدع فلحق بركب التقدم وزرع فأثمر الزرع وجناه وبنى فارتفع البنيان وارتفعت معه العقول والأبصار.
ونحن نحتفل هذا العام بعيدنا الوطني السادس والأربعين يرن في أذاننا الكلمات الفصيحة الرنانة الدافعة نحو البناء التي أطلقها قائدنا المفدى حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم أبقاه الله في العيد الوطني الأول عندما قال إن خطتنا في الداخل أن نبني بلدنا ونوفر لجميع أهله الحياة المرفهة والعيش الكريم .. وبالفعل فقد وعد جلالته فأوفى وتحققت نهضة في جميع المجالات وارتفع اسم البلاد عاليا على المستوى العربي والإقليمي والعالمي وتمكن أن يعيد لها أمجادها التاريخية وعظمتها الحضارية واستطاع أن يحقق المعادلة الصعبة التي تجمع بين المعاصرة بإيقاعها السريع ومعطياتها المادية وحياتها السهلة وبين الأصالة بقيمها وعاداتها الموروثة التي تشكل ثقافة الشعب وهويته الوطنية.
إن من يتأمل مسيرتنا الناهضة يجد أن خلفها نهج قيادي حكيم ليس على المستوى المحلي فقط بل على المستوى الخارجي أيضا حيث تميزت السياسة الحكيمة مع الدول الشقيقة والصديقة والمنظمات الدولية والقضايا المختلفة بالانفتاح القائم على تحقيق المصالح المشتركة والتعاون السلمي الذي يؤدي إلى الاستقرار والتقدم والتنمية المستدامة.
أما على المستوى الداخلي فقد نظر جلالته لواقع المجتمع العماني ومجمل الظروف المحيطة به ثم حدد وسائل النهوض به وكيفية مواجهة الصعاب المختلفة والعقبات التي تقف حجر عثرة في طريق هذه النهضة .. وكان من أقوى المبادئ التي نشرها بين أبناء شعبه الوفي هو ترسيخ مبدأ الوحدة الوطنية وبث روح التكافل والتضامن مع التمسك بالهوية الأصيلة.
ونحن نعيش فرحة الذكرى الغالية أرسل أرق التهاني للوطن الغالي والقيادة الحكيمة والشعب الوفي وكل المحبين .. داعين المولى سبحانه وتعالى أن يظل وطننا نبض القلوب ومنبع العطاء وترتفع رايته فوق هام السحب .. وأن يمنح جلالة السلطان المفدى العمر المديد ووافر الصحة والعافية ويسدد على طريق التوفيق والنجاح خطاه .. إنه نعم المولى ونعم المجيب.
* * *
لغتنا الجميلة .. دائمة الشباب
استوقفني سؤال من أحد القراء المهتمين بحال اللغة العربية وذلك على موقع التواصل الاجتماعي الخاص بي حيث قال "بعد طغيان اللغات الأجنبية على ألسنة شباب هذه الأيام هل تمر لغتنا العربية بمرحلة الشيخوخة ؟".. لا أخفي عليكم أنني شعرت بالصدمة من هذا السؤال الذي جعلني أتأمل طريقة تخاطب الشباب بعضهم البعض والعديد من البرامج الحوارية على الفضائيات المختلفة وأصبت بالحسرة على حال لغة الضاد التي أصبحت تحتل مساحة النصف إن لم يكن أقل على لسان الشباب أما وسائل الإعلام فتكاد تكون منعدمة مقارنة بالعامية التي صارت لها اليد الطولى على كل فضائية طبقا لكل بلد تنتمي له هذه الفضائية.. حتى تليفزيوننا وإذاعتنا تاهت في دروبهما لغتنا الجميلة ولم تجد طريقها لديهما.
المتتبع لتاريخ لغتنا العربية يلاحظ أنها استطاعت بقوتها وحيويتها وسهولتها أن تحل محل لغات قديمة كثيرة في البلدان التي فتحها المسلمون وانتشر فيها ديننا الحنيف .. فمثلا في الشام لم تستطع السريانية واليونانية الصمود أمامها كذلك في العراق اللغتان السريانية والآرامية تم استبدالهما بالعربية وفي مصر القبطية واليونانية وهكذا أصبحت دول العالم العربي تتحدث نفس اللغة بعد أن ضعفت فيها لغاتها الأصلية وهو ما يبرهن على جمال وقوة لغتنا العربية .. كما أن المجلس البريطاني أصدر مؤخرا تقريرا صنف فيه العربية كثاني لغة من أهم عشر لغات للمستقبل وهو ما يعني أن العربية حية ولن تموت وأنها استطاعت أن تصل لدرجة الكمال لما تتميز به من كثرة مفردات ودقة معاني وبالتالي ستظل محتفظة بشبابها مهما مر الزمن لاسيما أنها مرتبطة بكتاب الله العزيز الذي سيظل خالدا مادامت الأرض باقية .. كما أن لغتنا العربية تصنف عالميا بأنها من اللغات الإعرابية أي التي تعتمد في آلياتها على الإعراب الذي يتحكم في هندسة الجمل ويزيدها قوة ومكانة وجمالا
لاشك أن الشوائب التي تشوه لغتنا الجميلة جاءت نتيجة تأثرها بالروح السائدة الحضارية والانفتاح على الثقافات الأخرى الناتج من التطور التكنولوجي الهائل الذي جعل من العالم قرية كونية صغيرة إلا أن هذا لا يعني أن لغتنا في طريقها للاندثار .. فقديما كانت العربية أقوى ما يكون في عصر ما قبل الإسلام وفي صدره حيث كان العرب يحرصون على تعليم أبنائهم أساسيات اللغة في البادية .. لكن مع الفتوحات الإسلامية تأثرت العربية بالحضارات الفارسية واليونانية والهندية بعد أن دخل في الإسلام من لا يعرفونها وأخذ الأوائل منها بعض أفكارهم وطرق بحثهم وأساليبهم في الحياة وترجموا كثيرا من كتبهم ولكنهم في النهاية خرجوا بالروح الإسلامية التي شملت سمات كل الحضارات وظلت العربية محافظة على استمراريتها وتوسعها حتى وصلت إلينا وستصل لمن بعدنا .. المهم هو كيف نتعامل مع لغة الضاد والحرص على الحفاظ على جمالياتها وأصالتها.
نعترف أننا مقصرون في حق لغتنا وأننا جميعا كعرب نتحمل جريرة مظاهر التدهور اللغوي الذي تشهده عاما بعد الآخر خاصة بعد أن سمحنا للعامية أن تزحف وتحتل مساحات في وسائل الإعلام أكثر مما ينبغي ولم نبذل الجهود اللازمة لوقف هذا الزحف والتدهور فبيوتنا بما تحتويه من خدم أجانب لا تتكلم العربية ومدارسنا احتلت فيها اللغات الأجنبية السواد الأعظم ووسائل إعلامنا حدث عنها ولا حرج حتى شوارعنا لا تختلف حالا عن البيت والمدرسة ووسائل الإعلام .. لذلك نتساءل متى نفيق ونعرف قدر لغتنا العظيم ونعرفه لأبنائنا وشبابنا ونعمل على تطويرها بما يرفع من مكانتها بدلا من الخجل منها والتشدق باللغات الأجنبية الأخرى ؟.
إن مسئولية حماية لغتنا الجميلة لا تقع على عاتق المختصين والباحثين والأدباء فقط بل هي مسئولية كل من يتكلم بها فيجب أن يتم غرسها في عقول النشء وتطوير المناهج الدراسية بحيث نحث الطلاب على معرفة أسرارها وتذوق جمالها والشعور بالفخر بأنه يمتلك ناصيتها لأن من يضيع لغته فقد ضيع هويته.
* * *
آخر كلام
وردة واحدة لإنسان على قيد الحياة أفضل من باقة كاملة على قبره.