
قرون وقرون مضت على سنّ قواعد العرض والطلب الأساسيّة، إلّا أنها لا تزال حتّى يومنا هذا هي نفسها...
قواعد تقتضي طرح سلع وخدمات مختلفة في الأسواق وبتحديد سعرٍ يتمّ تداوله من خلال عملة نقديّة متفق عليها.
فبغض النظر عمّا إذا كانت هذه «العملة النقديّة» تتجلّى في نوع من أنواع المال أو السلع أو الخدمات الأخرى، يعمل السوق ويزدهر لا محالة، لا سيما في حال انخفاض العرض وارتفاع الطلب والأسعار على حدّ سواء.
ومن الواضح أن الاقتصاد ومفاهيمه المتعددة معقدة للغاية، فمختلف اقتصادات العالم باتت تعتمد اليوم على نماذج اقتصاديّة رياضيّة معقدة سعيًا منها لإدارة أموالها وإجمالي ناتجها المحلي ومختلف مواردها الأخرى.
وعليه، بتنا ندرك أن هذه القواعد الاقتصاديّة الأساسيّة هي التّي تدير قدراتنا على الازدهار وتتحكّم بها.
توتر الأوضاع الاقتصاديّة العربيّة يشهد عالمنا العربي أوضاعًا اقتصاديّةً جيّدةً نسبيًا إلّا أنه لا يزال يعاني من بعض الثغرات في بعض المجالات ذات الصلة.
نعم، نحن نبلي بلاء حسنا اليوم، ومع ذلك بات من الضروري التغاضي عن سبل الحكم والإدارة الاقتصاديّة القديمة وإضفاء طابع اقتصادي وتعليمي وتجاري جديد، يمهد الطريق لفرص الابتكار والإبداع.
ومع ارتفاع معدلات البطالة بين أوساط الشباب في بعض دول منطقة الشرق الأوسط وبلوغها حوالي 30%، أمسى من المهم جدًا إعادة النظر في عوامل مختلفة تشمل على سبيل المثال اعتمادنا السابق على عائدات النفط وضرورة إدراج مواد العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات ضمن المناهج الدراسيّة في الدول العربيّة.
وفي هذا السياق، أشار العضو المنتدب لشركة «بيرسون» للتعليم، كريم داوود إلى أهمية تعزيز مواد العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في أقرب وقت ممكن، قائلًا: «يتعيّن علينا تشجيع الطلّاب على الاطلاع على مواد العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات وحثهم على الالتحاق بمناهجها منذ سنوات التعليم الأولى». ومن أجل تحقيق ذلك، لا بدّ من إعادة تجهيز الصفوف الدراسيّة وإعادة تطوير مهارات المعلمين والمعلمات وتعزيزها، وبناء روابط متينة بين المؤسسات التعليميّة وأصحاب العمل المعنيين في هذا المجال.
المرأة اليوم كما يتعيّن علينا أيضًا ضمان تأدية المرأة دورًا متساويًا في المجتمع، يتيح لها الوصول إلى الفرص الضروريّة لنموها، الأمر الذي شكّل في الماضي تحديًا كبيرًا لمنطقة الشرق الأوسط إلى أن بدأت مؤخرًا ببذل المزيد من الجهود لمعالجتها.
وحتّى الآن، وعلى الرغم من تركيزنا على إعادة اكتشاف بوادر التعليم المبتكر، لا بدّ من العمل على إعادة تعزيز السبل التّي من خلالها سننجح في تنمية أعمالنا في المنطقة.
وفي هذا الإطار، عبّر مدير الحلول المؤسسيّة في شركة «بينتاهو» لتحليل البيانات، السيّد وائل الرفاعي قائلًا: «من الصعب إطلاق شركة أعمال في منطقة الشرق الأوسط، ومن الممكن التأكد من ذلك بمجرد الاطلاع على تقرير سهولة ممارسة أنشطة الأعمال الصادر عن مجموعة البنك الدولي». شفافية مجال الأعمال التجاريّة ومن خلال مشاركته في برنامجٍ مسرّعٍ لتحفيز ريادة الأعمال، دعا الرفاعي العالم العربي لتطوير بيئات عمل تنظيميّة تضمن الشفافيّة المطلقة، مضيفًا: «يتعيّن علينا إيجاد بيئة عمل تمكينيّة ومحفزة ليستفيد منها الأفراد وتجنّب إمكانية انهيار الأعمال غير الناجمة عن أيّ من أوجه الأذى أو الإهمال المحتملة». وفي هذا الإطار، اعتمدت دولة الإمارات العربيّة المتحدة في سبتمبر 2016 المسودة النهائيّة لقانون الإفلاس الاتحادي الذي يهدف، وفقًا لتغريدة قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم على حسابه الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، إلى «تعزيز الجاذبيّة الاستثماريّة لاقتصادنا وتسهيل أعمال الشركات التجاريّة».وفي حال انعكس موقف دولة الإمارات العربيّة المتحدة على باقي اقتصاديات دول العالم العربي، قد يتراءى أمام أنظارنا بعض من أوجه التقدّم الذي من الممكن الاستفادة منه لتشجيع الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم الناشئة على الابتكار وتنمية أعمالها.
أمّا على مستوى أكثر عمقًا، فلا بدّ على مبادرات إعادة تعزيز اقتصاد دول منطقة الشرق الأوسط من معالجة عدد من التحديات الأساسيّة.
توازن جديد بين القطاعين العام والخاص وعن أهمية تحقيق توازن فعّال وجديد بين القطاعين العام والخاص، عبّر الرئيس التنفيذي لشركة «أجيليتي» المعنيّة بتقديم خدمات لوجستيّة متكاملة عبر مكاتبها المنتشرة في 10 دول في منطقة الشرق الأوسط، السيّد طارق سلطان، قائلًا: «لا يحدث التغيير والابتكار بين ليلة وضحاها، بل يتطلبان بيئة مواتية تساهم في تحقيق ذلك بنجاحٍ تام، وهنا يبرز دور القطاع الخاص الذي لا يزال محدودًا في مختلف دول المنطقة هنا».ثمّ أشار إلى ضرورة ألّا يُنظر إلى الحكومة باعتبارها صاحب عمل يلجأ إليه المواطنون كملاذ أوّل وأخير في العديد من الدول العربيّة ودول مجلس التعاون الخليجي على حدّ سواء، وذلك نظرًا لاستحداث مفهوم الاقتصاد الرقمي الجديد الذي من المتوقع أن يحل محل النهج القديم الذي لا يزال القطاع العام يعتمده حتّى اليوم، قائلًا: «نعم، التغيير صعب، إلّا أنه ضروري لمواكبة آخر المستجدات التّي تطرأ على عالمنا اليوم». وفي ظل نهضة الشركات الناشئة والمبدعين الافتراضيين الذين باتوا يتخذون من شبكة الإنترنت منصةً لتنمية أعمالهم، لا بدّ من تحفيز قادة المنطقة على خلق بيئة مواتية من شأنها التشجيع على تأسيس شركات ناشئة جديدة متخصصة في كلّ من القطاعات الاقتصاديّة التّي إمّا تتّبع نهجًا عموديًا أو عموديًا جزئيًا.
فما هو النهج العمودي الجزئي؟ من الواضح أن قطاع الترفيه يعتمد نهجًا عموديًا لتنمية أعماله، يضمّ على سبيل المثال قطاع الغولف الذي يشكّل جزءًا منه.
وفي الوقت الذي تقوم فيه الشركات بتعزيز مكانة منتجاتها وخدماتها المقدّمة في السوق -وذلك بفضل التأثير الشامل للتجارة الالكترونيّة- لا بدّ من تقدير السبل التّي من خلالها ستتمكّن نظم الأعمال من تحديد مجال تركيزها الخاص وتطويره.
اختلال أم خلل؟ وفي ظل التطور التكنولوجي السريع الذي يشهده العالم اليوم، باتت وسائل الإعلام تتطرّق لموضوع تحوّل الأعمال والاختلال الرقمي. لكن على الرغم من الاعتماد الكبير على الحلول الرقميّة في منطقة الشرق الأوسط، لا يزال من الضروري إعادة ابتكار نماذج الأعمال الحالية لمواكبة آخر التغيّرات.
لا داعي للقلق، فالشرق الأوسط يبلي بلاء حسنا، لا سيما بعد أن بدأت النساء بالالتحاق ببرامج تعليم مواد العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات وبرامج ريادة الأعمال بالتطوّر والانتشار والقطاع الخاص بالنمو والازدهار.
لذلك، ما علينا سوى العمل الآن على إعادة ابتكار النموذج الاقتصادي العربي وتطويره حتّى نتمكّن من تحقيق التوازن المنشود بين العرض والطلب، وبالتالي النجاح الذي نطمح للوصل إليه مستقبلًا.
متخصص في شؤون تطوير البرمجيات وإدارة المشاريع والتكنولوجيا