المنطقة تفتقد إلى صناعات التمور

مقالات رأي و تحليلات الخميس ١٠/نوفمبر/٢٠١٦ ٠٤:١٠ ص
المنطقة تفتقد إلى صناعات التمور

حيدر بن عبدالرضا اللواتي

السلطنة تحتل المرتبة الثالثة خليجياً والتاسعة عالمياً في أعداد النخيل وفق بيانات وزارة الزراعة والثروة السمكية، بحيث يبلغ عدد أشجار نخيل التمر 7.5 مليون نخلة وفقاً للتعداد الزراعي 2012/‏‏‏2013. ودول المنطقة أيضا لديها ملايين من النخيل التي تشكل ثروة مهمة ويمكن أن تقام عليها الكثير من الصناعات الغذائية.
وصناعات التمور قائمة في العالم حتى في الدول التي لا توجد فيها أشجار النخيل، حيث إن كثيرا من مصانع العالم استغلت هذه التمور في تأسيس صناعات مختلفة. ففي عام 2009 شاهدت عدة مصانع في اليابان، على سبيل المثال، تقوم بتصنيع مختلف أنواع المعجونات والعلب من التمور، بعض منها تدخل فيها أنواع من الكحول، وأخرى خالية منها، وتستخدم على شكل علب وأكياس بلاستيكية مثل (الكاتشب) و(الدقوس) الذي يتم استخدامه في المحلات التي بتقديم الوجبات السريعة في العالم. أتذكر يومها بأن أخبرني مدير المصنع أنهم يبحثون عن الأنواع الجيدة المختلفة من التمور التي تُزرع في السلطنة ودول المنطقة، وأنهم يستعينون في صناعاتهم بشكل كبير بالتمور التي تُزرع في العراق حاليا. وحيث إنه نتيجة للحرب على العراق في تلك الفترة وتأخر طلبات وصول الشحنات لهم، فإنهم طلبوا مني أن أبحث لهم عن بعض الوكلاء في السلطنة ليقوموا بتصدير التمور إلى مصنعهم في اليابان. وقد أوصلت هذا الطلب إلى المسؤولين بوزارة الزراعة والثروة السمكية بعد رجوعي مباشرة. كما أحضرت بعض أنواع المعجونات غير الكحولية التي أُهديت لي إلى السلطنة.
ما جعلني أكتب في هذا الشأن هو ما كشف عنه محمد بن صالح المنسق الإقليمي لمشروع تطوير النخيل بدول مجلس التعاون الخليجي في الجلسة الافتتاحية لاجتماع نخيل التمور بدول المجلس التعاون الذي عُقد في قطر مؤخراً بالتعاون مع مشروع ايكاردا، حيث تبيّن أن نسبة الهدر في حقول التمور بدول المجلس تتراوح ما بين 50 % إلى 70 %، وتقدّم لاحقاً على شكل أعلاف للحيوانات. هذا الأمر يتطلب تطوير أساليب تجفيف التمور لكون أن أغلب الأنواع المنتجة منها في دول المجلس تمور رطبة، بالإضافة إلى وضع برامج لتصنيع وتجفيف هذه التمور وحمايتها من الهدر. كما أن زراعة النخيل تحتاج إلى التلقيح ومكافحة حشرات النخيل، وإلى وجود مختبرات، في الوقت الذي يوجد هناك مختبران فقط في المنطقة ومن أحدث المختبرات في العالم ينتجان أعداء حيوية لمقاومة الحشرات، أحدهما في السلطنة، والآخر في السعودية.
وبالرغم من أن محصول التمور يشكّل ثروة استراتيجية وغذائية مهمة بدول مجلس التعاون بسبب احتوائه على ملايين الأشجار، إلا أن الصناعات الناتجة عنها قليلة جدا، في الوقت الذي يمكن أن يشكّل كل جزء من النخلة صناعة لحالها. فالقطاع الزراعي بوجه عام يواجه تحديات كبيرة في المنطقة وعلى رأسها شح الموارد المائية وقلة الأمطار، إلا أن أشجار النخيل تتحمّل الكثير من الظروف البيئية القاسية، وتنمو باستمرار وبثمار كبيرة في كل فترة. لكن المشكلة القائمة في أعمال الزراعة في المنطقة تكمن في ضعف تطبيقات استخدام التكنولوجيا في عمليات التصنيع والتسويق بجانب ما تتعرّض لها من التغيّرات المناخية والأمراض سواء النباتية أو الحيوانية.
فالتمور المنتجة في دول المجلس تساهم بنحو 30 % من الإنتاج العالمي وبمقدار مليوني طن سنوياً، وفقاً لإحدى الدراسات الصادرة عن وزارة الزراعة والثروة السمكية بالسلطنة. وهناك دراسة قطرية أخرى تقدّر عدد أشجار النخيل في العالم بنحو 110 ملايين، يوجد منها 85 مليونا بالعالم العربي أي 77 %، ويبلغ إجمالي الإنتاج العالمي من التمور 4.5 مليون طن سنويا. والبيانات الرسمية تشير إلى أن إنتاج السلطنة من التمور خلال الموسم 2014م بلغ أكثر من 317 ألف طن مقارنة مع 276 ألف طن لموسم 2010م أي بزيادة قدرها 14 %، فيما زاد إنتاج النخلة الواحدة بنسبة 17 % خلال الفترة نفسها. أما كميات التمور للاستهلاك البشري خلال الموسم 2014م فكانت حوالي 170 ألف طن، وكعلف للحيوانات داخل السلطنة تقدر بحوالي 61 ألف طن، في حين تشير إحصاءات التجارة الخارجية للإدارة العامة للجمارك لشرطة عُمان السلطانية إلى أن المتوسط السنوي للصادرات من التمور خلال السنوات الأخيرة يقدر بحوالي 9 آلاف طن، وهي كمية صغيرة، الأمر الذي يتطلب البحث عن أسواق جديدة للاستفادة من هذه الثروة التي لها منافع صحية عديدة للبشرية. ووزارة الزراعة والثروة السمكية وضعت خلال الخطة الخمسية الماضية عدداً من السياسات التي تهتم بهذه الثروة منها زراعة مليون نخلة، وتجهيز وتعبئة وتغليف التمور، بجانب الالتزام ببرامج الحماية والمكافحة، وزيادة عمليات التصنيع وتقديم الدعم الفني والمالي لأصحاب الوحدات، والقضاء على المشاكل والمعوقات التي تعترض مسيرة الشركات والوحدات العاملة في مجالات التصنيع لتتمكن من زيادة الصناعات التحويلية من هذا المحصول، وذلك بالاستعانة بأحدث الوسائل التقنية التي تستخدم في هذا المجال، مع إعداد دراسات جدوى اقتصادية جاهزة تُقدم إلى الصناعيين الراغبين لإنشاء المصانع من أشجار التمور وثمارها ومخلفاتها.