رسوم متوافقة مع متطلبات السوق

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٠٩/نوفمبر/٢٠١٦ ٠٤:٠٥ ص
رسوم متوافقة مع متطلبات السوق

علي بن راشد المطاعني

يكتسب قرار وزارة القوى العاملة رفع رسوم استقدام العمالة الوافدة أهمية كبيرة على العديد من المستويات والأصعدة التي تسهم في تنظيم سوق العمل في السلطنة، بما يتواكب مع المتطلبات الوطنية والمتغيرات العالمية، ويفي باستحقاقات المستقبل في تمكين الكوادر الوطنية على ضوء المستجدات التي تفرزها مخرجات التعليم العالي، فضلاً عن التعرف على مدى الجدية في استقدام القوى العاملة التي تعمل على إضافة قيمة مضافة للسوق، ولا تكون عبئاً على أرباب العمل، مما ينبغي التفاعل الإيجابي مع هذه المستجدات التي تسهم في بلورة توجهات جديدة في سوق العمل وتمكّن المواطن العماني وصاحب العمل الجاد في ممارسة النشاط الاقتصادي.

إن تحديد رسوم استقدام العمالة بـ 301 ريال عماني لمدة عامين للأعمال التجارية، بزيادة 100 ريال ليس مرتفعا بالمقارنة مع الأوضاع في السوق، مقارنة مع الدول الأخرى التي يزيد سعر الترخيص للعامل فيها على 500 ريال عماني، فالحكومة راعت في هذا الشأن صاحب العمل في المقام الأول في ضوء المتغيرات الاقتصادية في الأسواق، وحاجة الدولة إلى إيرادات نقدية وفق التوجهات الجديدة لتعزيز الإيرادات غير النفطية وهو ما يعد عاديا جدا، وغير مكلف بالمقارنة مع الأعباء الخدماتية التي تقدمها الدولة للعامل في كل المجالات الخدمية المباشرة المتصلة بالعامل أو صاحب العمل، أو غير المباشرة المتمثلة في الاستفادة من الخدمات المدعومة التي تقدم للمواطنين.

ولكن أسعار استقدام العمالة هذه من الآن فصاعدا من الطبيعي أن ترتفع للعديد من الاعتبارات الاقتصادية منها على سبيل المثال ارتفاع كلفة الخدمات في الدول، وتعويم أسعارها ليس على العمالة، وإنما حتى على المواطنين، وثانيا لإعطاء فرصة ومجال للكوادر الوطنية للعمل في القطاع الخاص في ظل تزايد مخرجات التعليم العالي، فالإحصائيات تشير إلى أن هناك 125 ألف طالب وطالبة عمانيين يتلقون التعليم العالي في مؤسسات التعليم العالي في الجامعات والكليات ‏داخل السلطنة وخارجها، وهؤلاء يحتاجون إلى مكان في قطاعات العمل المختلفة، فإذا لم نقنن استقدام العمالة بزيادة كلفتها وإجراءات أخرى، فهل يمكن أن تتاح فرص لهذه الطاقات المتسلحة بالتعليم التي يحتاجها سوق العمل، فضلا عن أن الحكومة ووفق التوجهات الاقتصادية ومن خلال إجراءات تنظيمية من المناسب أن تدعم التاجر الجاد القادر على الإيفاء باستحقاقات ممارسة الأنشطة الاقتصادية في البلد ونموه، فليس هناك ما يمنع الجادين من التطور في ممارسة الأعمال إذا كانت هناك التزامات تؤدى من صاحب العمل.
ومن المؤشرات الإيجابية مراعاة استقدام العمالة المنزلية بالرسوم والمدة نفسها دون تغيير، رغم أن ذلك يحتاج إلى تقنين كبير، نظرا لتزايد العمالة المنزلية إلى معدلات كبيرة، يبلغ عددها ما يربو على 250 ألف عامل وعاملة، ولها تأثيرات على سوق العمل بممارسة بعضها أعمالا تجارية مخالفة بذلك الأنظمة المتبعة، كما أن من الأهمية تعويد المجتمع على الاعتماد على النفس، وتقنين استخدام العمالة الوافدة في أعمال بسيطة، فالمتغيرات الحياتية تفرض على المواطنين القيام بأعمال بسيطة لا يستوجب تكليف أحد القيام بها.

‏فالكل يعلم مدى حساسية سوق العمل وتعارض المصالح والضغوط الجانبية التي تمارس على الجهات المختصة، والطلبات والنداءات بتسهيلات في استقدام العمالة من الكثيرين للعديد من المنطلقات، ولكن كجهات مختصة تبقى كما يقال بين المطرقة والسندان في تنظيم هذه الجوانب المهمة في البلاد، وتبذل جهودا مقدرة وكبيرة في التعاطي مع هذه الجوانب المتعارضة، والمصالح المتضاربة، وعلينا كمجتمع تقديرها والإسهام في تصحيح سوق العمل معها من خلال الالتزام بالضوابط واتباع الإجراءات وتقليل التحايل، والتيقن بأن إغراق سوق العمل بالعمالة دون أعمال يسبب العديد من المشاكل التي تؤثر على الفرد والمجتمع، وتسيطر على فرص عمل كان ينبغي أن تؤول إلى العمالة الوطنية، كل هذه الجوانب ينبغي أن تكون حاضرة مع صاحب العمل قبل أن يفكر في استقدام عمالة، فلا يتّكل على العامل الوافد في إدارة مؤسسته ويبرر ذلك بمسوّغات غير دقيقة وذرائع واهية تتنافى مع المتطلبات الوطنية.

الزيادة في الرسوم لا تعني في المقابل أن هناك تساهلا في استقدام العمالة الوافدة، وعدم التزام بالمتطلبات الوطنية في التعمين وبالواجبات المفروضة على الجميع الإيفاء بها، ولا تعني الإخلال بالواجبات الوطنية أو القفز عليها.
بالطبع هناك جهود من الشركات في إحلال القوى العاملة الوطنية وفق سياسات التعمين المطبقة عندما اقتنعت أن الكوادر الوطنية أجدى وأفضل من غيرها، وأهمية تمكينها وإعطائها دورا وفرصة لبناء وطنها.
نأمل أن يتعاون الجميع لمصلحة البلاد والعباد، ووزارة القوى العاملة تسعى إلى التوفيق بين كل المصالح انطلاقا من قاعدة لا ضرر ولا ضرار، وزيادة الرسوم بهذه المستوى تعكس هذا المنطلق الذي تسعى إليه الحكومة بإعطاء فرصة للسوق أن يتفاعل مع المتغيرات الاقتصادية بطريقة إيجابية ولا تؤثر عليه بشكل تجعله عاجزا عن أداء دوره، هذه فلسفة تنطلق منها الجهات الحكومية، ولا يمكن أن يلحظها كل المراقبين والمتابعين لمجريات سوق العمل في السلطنة.