
جيفري د.ساكس
يُشكل انخفاض معدل الاستثمار خيبة أمل كبيرة في الاقتصاد العالمي اليوم. في السنوات التي سبقت الأزمة المالية للعام 2008، ارتفع النمو في البلدان مرتفعة الدخل بفضل الإنفاق على السكن وعلى الاستهلاك الخاص. وعندما حلت الأزمة، انخفض كلا النوعين من الإنفاق، ولم تتحقق الاستثمارات التي كان ينبغي أن تتجاوز الركود أبدا. وهذا يجب أن يتغير.
بعد الأزمة، حاولت البنوك المركزية الكبرى في العالم إحياء الإنفاق والتوظيف من خلال خفض أسعار الفائدة. ونجحت الخطة، إلى حد ما. ولإغراق أسواق المال بالسيولة ولخفض أسعار الفائدة، شجع صناع السياسة المستثمرين للمزايدة على أسعار الأسهم والسندات. وأنشأ هذا التوجه ثروة مالية هائلة من خلال الأرباح الرأسمالية، في حين تم تحفيز الاستهلاك -من خلال الاكتتابات العامة الأولية- وبعض الاستثمارات.
ومع ذلك فقد وصلت هذه السياسة إلى حدودها وفرضت تكاليف لا يمكن إنكارها. وعند بلوغ أسعار الفائدة الصفر أو حتى تحت الصفر، اقترض المستثمرون لأغراض المضاربة الصرفة. ونتيجة لذلك، انخفضت جودة الاستثمارات، في حين ارتفعت النفوذ. وعندما تفرض البنوك المركزية الائتمان الشديد، تكون النتيجة خطر الانخفاض الكبير لأسعار الأصول.
ومع دفع السياسة النقدية إلى حدودها، اختفت الاستثمارات طويلة الأجل في السكك الحديدية عالية السرعة والطرق والموانئ والطاقة منخفضة الكربون والمياه النقية والرعاية الصحية، والصحة والتعليم. وكبح التقشف في الميزانية جماح الاستثمارات العامة، مما أثار شكوكاً كبيرة فيما يتعلق بالسياسة العامة والضرائب الدولية التي تعيق الاستثمار الخاص، وأدى ذلك إلى انخفاض هذا الإنفاق عموماً في البلدان ذات الدخل المرتفع.
ورغم وعود الرئيس الأمريكي باراك أوباما للاستثمار في السكك الحديدية عالية السرعة وغيرها من البنى التحتية الحديثة، لم يتم بناء ميل واحد من السكك الحديدية السريعة خلال السنوات الثماني التي قضاها في منصبه. لقد حان الوقت لترجمة الأقوال إلى أفعال، في الولايات المتحدة وأماكن أخرى، والدخول في حقبة جديدة من ارتفاع معدلات الاستثمار في التنمية المستدامة.
هناك ثلاث تحديات تواجه هذه الاستراتيجية: تحديد المشاريع المناسبة. ووضع خطط معقدة تنطوي على كل من القطاعين العام والخاص (وغالبا ما تهم أكثر من بلد واحد)؛ وهيكلة التمويل. ولكي تنجح، يجب أن تكون الحكومات قادرة على التخطيط الفعال على المدى الطويل، ووضع الميزانيات، وتنفيذ المشاريع. وقد أثبتت الصين هذه القدرات في السنوات العشرين الفائتة (على الرغم من فشل السياسة البيئية الرئيسية)، في حين تم إحراج الولايات المتحدة وأوروبا. وفي الوقت نفسه، كثيراً ما قيل من قبل صندوق النقد الدولي وغيرها من المؤسسات لأشد البلدان فقراً ألا تقوم بأية محاولة.
اليوم، على الحكومات المساعدة في التغلب على واحدة على الأقل من التحديات الرئيسية. وستساعد أهداف التنمية المستدامة واتفاق باريس حول المناخ على توجيهها نحو المشاريع الصحيحة.
وهناك حاجة إلى برنامج مماثل على وجه السرعة في أفريقيا. رغم أن البلدان الأفريقية قد حددت بالفعل الاستثمارات ذات الأولوية كالكهرباء والنقل، سيظل التقدم بطيئا إذا لم ترافقه موجة جديدة من الإنفاق الاستثماري.
تحتاج الولايات المتحدة وأوروبا إلى برامج جديدة للبنية التحتية الرئيسية. وينبغي على الولايات المتحدة -حيث تم إنجاز مشروع ضخم للبنية التحتية، بالتحديد الطرق السيارة السريعة الوطنية، في السبعينيات- التأكيد على الاستثمار في الطاقة منخفضة الكربون، والسكك الحديدية عالية السرعة، والاستثمار الشامل في السيارات الكهربائية.
أما بالنسبة لأوروبا، فيجب أن تكون الخطة الاستثمارية للمفوضية الأوروبية -في إطار برنامج أهداف التنمية المستدامة للاتحاد الأوروبي- والتي أطلق عليها اسم "خطة يونكر" نسبة إلى رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر. وينبغي أن تركز هذه الخطة، مثلاً، على إنشاء شبكة نقل على مستوى أوروبا للحصول على الطاقة منخفضة الكربون، وعلى الزيادة الهائلة في مجال توليد الطاقة المتجددة.
للمساعدة في تمويل مثل هكذا برامج، على بنوك التنمية متعددة الأطراف -مثل البنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي، والبنك الإفريقي للتنمية- رفع كمية الديون طويلة الأجل في أسواق رأس المال بأسعار منخفضة الفائدة. ثم ينبغي أن تقرض تلك الأموال إلى الحكومات والكيانات الاستثمارية في القطاعين العام والخاص.
بالنسبة لأفقر البلدان في العالم، فإن الكثير من الاستثمارات المطلوبة يجب أن تأتي من خلال زيادة المساعدة الإنمائية الرسمية. هناك عدة طرق لتوليد هذا المال من أجل مساعدات إضافية عن طريق خفض الإنفاق العسكري، بما في ذلك وضع حد للحروب في منطقة الشرق الأوسط. والوقوف بحزم ضد الجيل القادم من الأسلحة النووية؛ وتقليص القواعد العسكرية الأميركية في الخارج، وتجنب سباق التسلح بين الولايات المتحدة والصين من خلال تعزيز الدبلوماسية والتعاون. وينبغي توجيه عوائد السلام نحو الرعاية الصحية، والتعليم، والبنية التحتية في المناطق الفقيرة والتي مزقتها الحروب اليوم.
أستاذ التنمية المستدامة، وأستاذ السياسات الصحية والإدارة، ومدير معهد الأرض في جامعة كولومبيا.