
بيورن لومبورج
إن التجارة الحرة العالمية تعد أعظم فرصة لتحسين الحياة البشرية خلال الخمس عشرة سنة المقبلة ولقد ساعدت بالفعل في انتشال أكثر من بليون شخص من براثن الفقر خلال الخمس والعشرين سنة الفائتة. إن المزيد من خفض الحواجز التجارية يمكن أن يضاعف معدلات الدخل في المناطق الأفقر من العالم خلال الخمس عشرة سنة المقبلة.
نعم، هناك ثمن للتجارة الحرة يجب التعامل معه بشكل أفضل ولكن هذا الثمن لا يضاهي فوائد التجارة الحرة ولكن على الرغم من ذلك فإن المزاج العام في الدول الغنية قد انقلب ضد التجارة الحرة بشكل مأساوي.
لا يوجد مكان تتعالى فيه الأصوات المعارضة للتجارة الحرة أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية فبغض النظر من سيربح الانتخابات الرئاسية خلال هذا الشهر فإن أحد المتشككين بالتجارة الحرة سيكون في البيت الأبيض. إن كلا من هيلاري كلينتون ودونالد ترامب يعارضان أكبر مبادرة تجارية أطلقتها إدارة الرئيس باراك أوباما -اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ مع 11 بلد آخر من الدول المطلة على المحيط الهادئ- وكلاهما سيقومان بمراجعة اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا) وهي اتفاقية سارية المفعول منذ 1994.
إن المبادرة التجارية الرئيسية الأخرى التي أطلقها أوباما وهي اتفاقية عبر الأطلسي للشراكة التجارية والاستثمار بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي تلفظ أنفاسها الأخيرة، حيث أصيبت تلك الاتفاقية بالشلل بسبب المعارضة في كلا القارتين ونتيجة استفتاء بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي والذي فسر على نطاق واسع على أنه تصويت لصالح الحمائية.
إن السياسيين في البلدان الغنية يستغلون مخاوف الناس التي يمكن تفهمها. إن هناك تكلفة لاتفاقيات التجارة تتمثل في تكلفة التكيف والتي تتركز في مناطق معينة مثل الغرب الأوسط والجنوب في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يكون فيها التصنيع أغلى وأقل فعالية من الخارج. إن المصانع المغلقة تشكل تحذيرا رمزيا واضحا للغاية ضد الحدود المفتوحة.
إن الفوائد الأكثر بكثير للتجارة الحرة أقل وضوحا بشكل كبير فالمستهلكون يحصلون على مجموعة واسعة من البضائع بأسعار أرخص. إن الأمريكيون من الطبقة المتوسطة يكسبون ما يقدر بنسبة 29% من قوتهم الشرائية من التجارة الحرة أي بعبارة أخرى فإن الأمريكي العادي الذي ينتمي للطبقة المتوسطة يمكنه شراء ما نسبته 29% أكثر لكل دولار مقارنة بالوضع لو لم تكن هناك تجارة حرة كما إن التأثير أكبر -62%- بالنسبة للعشر الأفقر من المستهلكين الأمريكيين.
إن التجارة تجعل المصدرين أقوى وأكثر فعالية وإنتاجية، والفوائد يتقاسمها العمال فلقد وجد مجلس أوباما للمستشارين الاقتصاديين أنه بالمعدل تدفع الصناعات الأمريكية التي تعتمد بكثافة على التصدير للعمال أجور تزيد بنسبة 18% عن الشركات غير المصدرة.
إن المعارضة للتجارة الحرة تتجاهل حقيقتنا المترابطة فحوالي 80% من التجارة تحدث من خلال سلاسل توريد ضمن شركات عابرة للحدود أو بتنظيم منها وذلك طبقا لتقرير للأمم المتحدة في سنة 2013، وبينما يدعو بعض السياسيين الأمريكيين لفرض رسوم جمركية على المكسيك فإن المكتب الوطني للأبحاث الاقتصادية يقدر بإن حوالي 40% من قيمة الواردات المكسيكية للولايات المتحدة الأمريكية هي في الواقع تعد قيمة مضافة ضمن الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.
إن كل هذه الآراء هي جزء من الأدلة الاقتصادية القاطعة التي تؤيد التجارة الحرة ولكن الرأي الأقوى هو الرأي الأخلاقي فتحليل التكاليف والفوائد يظهر أن وجود تجارة أكثر حرية هي أقوى طريقة لمساعدة الناس الأكثر فقرا في العالم.
تشير أحد الدراسات التي أجريت مؤخرا إلى إن التجارة الحرة تزيد من انعدام المساواة بالدخل وتكلفة إعادة التوزيع يمكن إن تؤدي لتآكل 20% من المكاسب، وهذا يوحي بأنه يتوجب علينا أن نكون راغبين في صرف ربما 20% من فوائد التجارة على مساعدة الخاسرين من الصفقات التجارية وذلك من خلال التدريب على الوظائف ومزايا الرعاية الاجتماعية الانتقالية، وذلك من أجل التقليل من المخاطر.
لكن تلك الدراسة تشير كذلك إلى إن 80% من الفوائد -و80% من مبلغ 11 تريليون دولار أمريكي هي عبارة عن فوائد للإنسانية تقدر بمبلغ 9 تريليونات دولار أمريكي- تعد فوائد إضافية إلى جانب خفض الفقر المدقع ووفيات الأطفال والتلوث، بالإضافة إلى زيادة في العمر المتوقع وتقليل التمييز على أساس الجنس والعرق.
بينما يتبنى المرشحون الرئاسيون الأمريكيون خطاباً حمائياً فإن الشيء نفسه فعله أوباما كمرشح سنة 2008 ولكنه أصبح نصيراً متحمساً لصفقات التجارة الحرة وخاصة في فترة رئاسته الثانية، لقد قال أوباما: "التجارة تساعد اقتصادنا بشكل أكبر بكثير من ضررها". وبينما يغادر أوباما منصبه، فإنه قد أشار إلى هذا الموضوع على أنه موضوع لم يكتمل بعد علما أنه سيمكننا إكماله فقط لو قمنا بالتركيز بشكل أقل على المخاوف وبشكل أكبر على الحقائق.
مدير مركز إجماع كوبنهاجن وأستاذ زائر في كلية كوبنهاجن لإدارة الأعمال.