دراويش المؤتمرات

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠٣/نوفمبر/٢٠١٦ ٠٤:٠٥ ص
دراويش المؤتمرات

محمد بن سيف الرحبي
www.facebook.com/msrahby
alrahby@gmail.com

لا توجد ميزة للأزمة الاقتصادية غالبا، لكن علينا أن نستخرج الحسنات منها، وإضافة إلى وقف هدر المال العام في إنفاق لا جدوى منه سوى المظاهر فإن هناك هدرا آخر تم إيقافه بعد عقود من تقديم أنفسنا أمام الآخرين على أننا أهل كرم و "نفط"، في بلاد تجري من تحتها أنهار "الذهب الأسود" بما يبيّض وجوهنا أمام زوارنا.
كان "دراويش المؤتمرات" ينساقون إلينا، بفائدة "معنوية" قليلة ومصاريف مالية كثيرة، وهم يعلمون أي بلاد يأتون إليها، وقد كان لافتا في ندوة، إيقافها أحد حسنات انهيار أسعار النفط، أن يقوم مسؤول له ثقله في اللجنة المنظمة بالمناداة على أصحاب الشيكات جهارا نهارا، ليستلمها الضيوف، مع أننا سافرنا كثيرا ولم نجد في أية ندوة من يدفع حتى "دولارا" لمن يأتي، كون أن المشاركات العلمية يبتغى بها وجه العلم أولا، وليس.. وجه الشيك، أو الساعة "الرولكس".
لكننا.. عوّدناهم، وحتى أتجنب عدم الإنصاف.. بيننا من أعجبته الفكرة، فاعتادها، غاضا الطرف عن المكافأة، فالسفر مجانا والإقامة محمولة، والجولات السياحية متاحة.. كل ذلك محفز لارتداء عباءة "الدروشة" والوقوف على أبواب منظمي الندوات لترك فسحة للمشاركة، وفي المهرجانات المسرحية يصعد دخان الأقاويل كثيرا، وينزف ماء الوجه.. أكثر.
في مؤتمرات عربية، أو لأقرّب المسألة أكثر، أقول خليجية، نجد أن المدعوين ذاتهم، ومنذ سنوات طوال، كأنما جلسة الافتتاح مشهد مستعاد من الحفل الذي كان العام الماضي أو قبله، مؤتمرات ومهرجانات إعلامية أو ثقافية/فنية (على تعدد مسمياتها) ووصولا إلى الدينية، فإن الوجوه معلومة، تعرف كيف تضمن اسمها في خانة المدعوين الدائمين، وربما تطلب من المسؤولين الكبار ذلك صراحة، فتتم دعوتهم لأن "معاليه" أوصى بهم خيرا.
وفي العرف الاقتصادي/الاستثماري فإن هناك ما يسمى بسياحة المؤتمرات، وهذه تجيدها البلاد التي تستفيد من وجود المدعوين للمؤتمرات سياحيا، بما ينفقونه أو بكل قيمة إعلامية وإعلانية مضافة لاحقا، لكن في إقليمنا الخليجي فإننا نمارس على أنفسنا نوعا من "الاستهبال" كأنما نحسّ بعقدة نقص ونريد من أولئك المدعوين الكتابة عنّا، وإطلاق المديح حول صفاتنا، بينما نسمع منهم، في جلساتهم الخاصة، وفي غياب مواطن من الدولة المضيفة، ما يندى له الجبين من حديث، لا يدل على قيمة الشخص وهو المحسوب على أصحاب الفكر والتنوير قدر ما يدل على تلك البلاد الداعية لمثل هؤلاء، وهي تعرف أن المديح الآتي بالمال سينقلب على دافعه مجانا.. من أولئك الباعة المتجولين بما يدعى الثقافة والفكر، وتحت المفردتين لا أعني بالضرورة الأنماط المحسوبة على الأدب فقط.
أسائل نفسي دائما، لماذا نحن بهذا الحرص على استضافة من يفرحنا بكلمتين عن التسامح والطيبة؟ هل سنكتسب جديدا إن وصفنا أحدهم بمقال يمتدحنا، بينما أن الفكرة العامة في تسويق الدول "وفق رؤيتي" هو أن تجد من يقول كلمة حق عنك حينما يساء إليك؟!
ما الذي نناله من "دراويش المؤتمرات والندوات"، وقد انكشفت ضحالة بعضهم الفكرية، فنأتي على صدر الجلسة بعشرة أسماء تعطى ربع ساعة للحديث، ثم ينفض السامر، تاركين لنا بحوثهم ودراساتهم، هذه التي لم تعد تغني ولا تسمن من.. جهل.