x

لا تطع أهلك ..

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٠٢/نوفمبر/٢٠١٦ ٠٤:٠٥ ص
لا تطع أهلك ..

لميس ضيف
[email protected]

﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذينَ هُم أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأيِ﴾
هكذا اختصر أهل الجاهلية سبب رفضهم المبدئي للدين الجديد.. لم يكونوا على استعداد لمناقشة منطقه.. لم يمنحوه مساحةً من التمحيص ليتلمسوا رؤيته للحياة والمنهج الذي جاء به لإحداث ثورة خلاقة في مجتمعهم.. بل تهكموا منه واستصغروه ابتداءً لما نظروا لأتباعه الذين كانوا في الأعم الأغلب من الضعفاء والعبيد ومن متواضعي الأصل والمكانة.
لم يستطع الإسلام عبر العصور التي حارب فيها الرؤية الجاهلية للطبقات أن يدّك هذا الفكر البالي.. فلا زال الناس، وليومنا هذا، يقاسون بمعايير جوفاء: الأصل والعرق والانتماء والوضع المادي الذي يخلق أصلاً لمن لا أصل له.. ويجعل الوضيع من عليه القوم وإن كان ماله مشوبا بشبهات لا تنتهي..
قبل أيام فقط أفضى لي أحدهم بأنه يكابد -منذ سنوات- لإقناع أهله بخطبة فتاة مال لها الفؤاد ولكنها "في قاموسهم" من أصل يستنكفون عن مصاهرته.. وكأن الزواج فعل تباه وتفاخر لا فعل تعفيف للشباب وبناء أسرة.. أخرى لم يكلمها شقيقها لسنوات لأنها تزوجت رجلاً لا يعيب عليه إلا لون بشرته..!! وكأن لونه - الذي لم يختره- جريمة.. وكأن سعادتها وشقاءها لا يعنيانه أمام حقيقة أنها "أحرجته" بإنجاب أطفال بلون مختلف..!
صدقوا أو لا تصدقوا يا سادة هذه العقلية لا تزال حية وهذه الرؤية المريضة للبشر لازالت صامدة من ذلك العصر الجاهلي وليومنا هذا!
لم تنسفها التعاليم الإسلامية ولا التوجيهات النبوية التي لم تفضل عرقا ولا لوناً إلا بالتقوى.. وجاء العلم والتعليم فلم يجهضها.. وهبت تعاليم حقوق الإنسان الدولية فلم تقتلعها.. هل هي مرض جيني فينا نحن العرب يسبح في دمائنا ويقاوم كل تيارات التغيير. أم هو عيب خلقي في ضمائرنا يجعلنا عصيين على التطور منذ ذلك العصر وليومنا هذا!
للأمانة.. لا أملك جوابا.. لكني سأقول لكم ما قلته لذلك الذي استشارني ولفظ شكواه طالبا مشورتي. قلت له: لا تطع أهلك في جهلهم، نعم، لقد طلبت رضاهم في ما يُرضي الله وهو الحلال. وهم يجبرونك على ما لا يُرضي الشرع ولا المنطق ولا الفطرة وهو أن تستمر في علاقة بلا إطار شرعي أو تتزوج بأخرى دون رضاك فترث، وتُورثها، الشقاء الأبدي..
إننا نرجم الفكر المريض ولكننا لا نجرؤ على تحديه.. ويبقى أن للمرء أن يسترضي أهله ويمد لهم حبل الود حتى يرضوا فإن لم يفعلوا فالوزر عليهم لا عليه.
كان هذا قولي له وأعرف أنه لا يرضى الجميع. أما قولي لمن لا يزال متشبثا بالتصنيفات الجاهلية للبشر فهو: أخجل من نفسك.. أنت أفضل من سواك لا بلقب ولا بقبيلة ولا عائلة، بل بأفعالك وأفكارك وعملك..
وكم من وجيه في الأرض لا قيمة له في السماء. وكم من مجهول مهمش فيها.. لكنه عالي الشأن عند ربه.