علي بن راشد المطاعني
من بين معوقات العمل وانخفاض الإنتاجية، الإجازات الطبية والطارئة وما شابهها من إجازات، أصبح البعض يتفنن في طلبها من جهات العمل، أو بالأصح يفرضها على مؤسسات الدولة والقطاع الخاص بأعذار وهمية للأسف، وتخطيط مسبق بالغياب عن العمل، فالبعض أصبح يمتهن الحصول على الإجازات الطبية باختلاق الأمراض والعياذ بالله، والبعض الآخر لم يكتف بالحصول على الإجازات من المستشفيات في السلطنة، وإنما يذهب إلى الخارج ويبحث عن إجازة طبية لأشهر يتغيب فيها عن العمل ويتقاضى راتبا للأسف، مما يوجب نظاما مركزيا إلكترونيا للإجازات الطبية في الدولة يرصد مدمني الإجازات والأطباء والمستشفيات التي تمنحها لضبط هذا الجانب بشكل يسهم في تصحيح هذا الاعوجاج في التفكير والتحايل على العمل والأساليب الملتوية المتبعة في البلاد.
فبلا شك إن الكل ينشد التطور والتقدم الذي تشهده بعض الدول الأوروبية والآسيوية وغيرها، ولكن قبل أن ننبهر بتقدمها ينبغي أن ننظر للموظف كيف يؤدي عمله، وكيف يخلص فيه، ومدى تفانيه فيه، فلا ينبغي أن نمني أنفسنا بأمور لا نعمل من أجلها، أهمها التسرب من العمل والتسيب فيه، باعتباره مفتاح الإنتاجية والتجويد، والإجازات المرضية على اختلافها، أحد عوائق العمل التي ابتلينا بها وينبغي الحد منها.
فعندما تأتي للمدرسة وتجد ربع المعلمين أو المعلمات في إجازة مرضية، فكيف يمكن أن تستقيم العملية التعليمية التي ننشد تطورها؟، وعندما تأتي إلى المستشفى تشكو من تأخر العلاج الناتج من حالات الغياب الطبية، أما الوزارات الحكومية فحدث ولا حرج في هذا الجانب، فالإجازات العارضة تشلّ العمل لدرجة أصبحنا نضجر من تأخر تخليص معاملاتنا، وبعضها من تناقص الموظفين نتيجة هذه السلوكيات، أما الشركات فتعاني معاناة غير طبيعية من هذه الممارسات التي تضعف قدراتها الانتاجية ومنافستها في الخدمة، فاليوم هناك معاناة غير عادية في البلاد من هذا الجانب وتأثيراته، بل مدى واقعيته من عدمه، فهل نترك المجال هكذا بدون أنظمة تضبط هذه الأخطاء؟.
أحد العاملين في المستشفيات حكى وقائع غريبة في طلب الإجازات المرضية، وممارسات غير إيجابية، منها طلب إجازة من أكثر من مركز صحي، فالمتمرض يطلب العلاج في مستشفى ويأخذ إجازة ثلاثة أيام، وبعدها يذهب للعيادة الخاصة ويحصل على يومين ويكون بذلك اكتمل الأسبوع في التهرّب من العمل بعذر صحي كما يدعي، بل يصل البعض في ممارساته إلى مستوى التحايل وذلك بأن يعالج المريض الذي قد تكون لديه إجازة سنوية اعتيادية أو لا يعمل، إلا أنه يكتب الإجازة باسم زميله الذي يداوم في جهات حكومية أو شركات خاصة، ويعطي معلومات خاطئة عن شخصيته وما يعانيه من مرض للطبيب، وعلى ضوئه تسجل له إجازة طبية يمنحها لغيره وهكذا دواليك.
بل الأمر وصل إلى أكبر من ذلك، حيث إن البعض يذهب لخارج السلطنة، لجلب الإجازات الطبية الطويلة التي تصل إلى ستة أشهر ويصدّقها من السفارات، ويظلّ غابئا عن العمل، وبعد ذلك يذهب إلى دولة أخرى ويأخذ ستة أشهر أخرى بابتداع أمراض مزمنة أو شد عضلي وغضاريف وغيرها من أمراض، سلمنا الله وإياكم منها.
هناك الكثير من الدول طبقت نظاما مركزيا إلكترونيا للإجازات الطبية عبر قاعدة معلومات تعتمد على رقم البطاقة الشخصية، مثل دولة الكويت الشقيقة التي كانت تعاني من تزايد طلب الإجازات وطبقت نظاما إلكترونيا لطلب الإجازات يربط المستشفيات وجهات العمل، ويوضح تاريخ الموظف مع الإجازات والتمرض بهدف تقنين ذلك، وتطبق دولة قطر الشقيقة النظام الإلكتروني لطلب الإجازات لذات الأسباب، وهناك الكثير من الدول تنظم هذا الجانب الذي أصبح يهدد الثقة بين صاحب العمل والعامل، ويمني الجهات بخسائر فادحة جراء التغيب المفتعل.
إن النظام المطبق في البلاد في طلب الإجازات ورقي تقليدي لا يمكن أن يحصر طلبات الإجازات وطبيعتها ومن أين إلى غير ذلك، وبالتالي من الصعوبة معرفة من يمتهن الإجازات من المستشفيات والعيادات المتخصصة في هذا الشأن، فتطبيق النظام الإلكتروني يوفر قاعدة معلومات دقيقة تكشف أخطاء كبيرة.
بالطبع تؤثر الإجازات المرضية كثيرا على الثقة في انتظام المواطن في العمل واستمراريته خاصة في الشركات، فتزايد طلبيات الإجازات وتأثيراتها أضعف الثقة في الاعتماد على المواطنين، وانعكس على التعمين وتمكين المواطن، وبالتالي أضرت هذه الأمور كثيرا بالموظفين المواطنين، بل أصبحت الصورة النمطية المترسبة عن الشباب خاصة غير إيجابية في التهرب من العمل بهذه الممارسات.
نحن ليس ضد الإجازات المرضية الفعلية التي يكون الموظف مريضا وفق النظم والقوانين الصادرة بها، ولا نتهم الكل بامتهان التمرض للحصول على إجازات، ولكن طلبات الإجازات الطبية أصبحت ظاهرة تقلق العمل في السلطنة، يجب تنظيمها والحد من انعكاساتها على مفاصل العمل في القطاعين العام والخاص، إذا أردنا إصلاح هذا الجانب.
نأمل تطبيق نظام مركزي إلكتروني لطلب الإجازات الطبية يربط بين كل المستشفيات وجهات العمل ويقنن هذه السلوكيات الخاطئة التي أصبحت إحدى الإشكاليات التي تعيق العمل والإنتاجية وخدمة المراجعين وتطوير الخدمات وتجويدها.