
زاهي وهبي
منذ سنوات والصحافة الورقية تجاهد للبقاء على قيد النشر والقراءة.
مضى زمنٌ كانت فيه المصدر الأساسي للخبر والمعلومة، لم تعد اليوم وحدها في الميدان.
سابقاً، حتى الراديو والتلفزيون كانا يستندان إليها في كثير من الأحيان، كانت فقرة أقوال الصحف من الثوابت في صباحات الإذاعة والتلفزة.
سقى الله أياماً كانت افتتاحية أو «مانشيت» صحيفة كفيلين بإسقاط حكومة وقيام أخرى. كان يكفي أن يُقال ذكرت «السفير» اللبنانية أو «القبس» الكويتية على سبيل المثال حتى يسارع القارئ إليهما للاطلاع على ما جاء فيهما، أما الكاتب فكان قلبه يرقص فرحاً إذ يرى توقيعه مُذَيِّلاً نصّه في هذه الجريدة أو تلك.
مهلاً، ما بالنا نُكثِر من كانت وكان، كأن جعبتنا لا تحوي سوى الأفعال الماضية الناقصة؟ للأسف واقع الحال يقول: بلى. لكننا نحاول دائماً رؤية النصف الملآن من الكوب والبحث عن البصيص في نهاية النفق وعن كوى الضوء والأمل.
يُعزينا أن ما يعتري الصحافة الورقية ليس وقفاً على تلك الناطقة بلغة الضاد.
صحفٌ عريقة في العالم أوقفت طبعاتها الورقية واكتفت بمواقعها الإلكترونية. «الاندبندنت» البريطانية و»البايس» الإسبانية توقفتا عن إصدار طبعتيهما الورقيتين، إذاعة «بي بي سي» البريطانية توقفت هي الأخرى عن بثّ فقرة أقوال الصحف التي دأبتْ عليها طوال ستين عاماً، كأنها تقول لم يعد لدى الصحافة الورقية ما تقوله، لقد تكفلت الميديا البديلة بقول كل شيء.
فهل واقع الحال على هذا النحو؟ سوف نستعين بمقتطفات من مقالة سابقة لنا اعتبرنا فيها أنه «أياً تكن الإجابة فإنها أخبار مؤسفة لأجيال كاملة نشأت على حُبِّ الحبر والورق قبل أن تزحف الشاشات الصغرى لتأخذ الحيّز الأكبر، وتغدو الأنامل أكثر استعمالاً من الأقلام، تُمارس فعل اللمس وكأنها تحفُّ فانوساً سحرياً لا يخرج منه مارد جبّار بل دنيا كاملة الأوصاف». ليست رؤية ماضوية لكنه نوع من الحنين تعيشه أجيال نشأت على حُبّ الحبر والورق.
فعلى رؤوس الأنامل كثير من الحبر وفي الأنفاس رائحة ورق عتيق.
كانت الدنيا غيرها الآن، والجريدة ليست مجرد أداة تنقل الأخبار ومجريات الأحداث في بلادنا والعالم، كنّا نتباهى بأننا قرّاء صحف ومجلات.
تأبُطُ جريدة يعني أن الفاعل على شيء من الثقافة والدراية بشؤون المجتمع والنَّاس، اسمها يشي بميول حاملها، لليسار صحفه ولليمين كذلك، والقليل بينهما.
مجتمعاتنا لم تهضم بعد فكرة الوسط، إما معنا وإما ضدنا، على الرغم من نشأتنا على مقولات مثل «نحن أمة وسط» و»خير الأمور الوسط». ما عليه، ليس هذا موضع بحثنا الآن، نكتب عن الورق لا عليه.
أنتمي الى جيل ظلَّ الحبر والورق لصيقاً به سحابة عمره، وما كان أبداً مجرد حبر على ورق، كانت الصحف تستقطب كبار الأدباء والمفكرين، رؤساء تحريرها أصحاب رأي وموقف، محرّروها شعراء وروائيون وكتّاب فكر واجتماع وسياسة واقتصاد، مقالاتها تهزُّ حكومات وتُعلي شأن أخرى، صفحاتها الثقافية وملاحقها الأدبية منابر المبدعين ونوافذ كلِّ جديد في الشعر والرواية والنقد والفلسفة والمسرح والسينما والرسم وسائر الفنون.
الخلاصة: «كانت الجريدة مصدراً من مصادر المعرفة لا مجرد ناقل خبر أو حدث». ما بين مزدوجين كتبته قبل مدة، كان رثاءً سابقاً لأوانه، وكنتُ أُمنِّي النَّفْس بأنني أستعجل وداع الورق وأدعو الله أن أكون على خطأ، لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، يوماً تلو آخر تتوالى الأخبار المؤسفة عن صحف أُقفِلَت أو سرَّحت محرِّريها أو تعاني من أزمات مالية وغير مالية.
طبعاً واقع الصحافة العربية يختلف كثيراً عن واقع الصحافة الغربية لجهة هامش الحرية والمردود الإعلاني والمالي، لكنهما يشتركان في التحدي نفسه، وهو تحدٍ غير مسبوق.
فجميعنا اليوم تحولنا صحافيين بغير قصد ولا تخطيط، كلنا مُرسِلٌ وكلنا متلقٍ بفعل التكنولوجيا الحديثة.
كلُّ حاملٍ لهاتف أو لوحٍ ذكي بات قادراً على الإرسال والنشر، لم يعد الخبر حكراً على أحد.
تكون ذاهباً في رحلة أو مشوار بسيارتك أو بحافلة نقل عام تعترضك زحمة سير. فتقوم بتصوير أرتال السيارات ونشر الخبر على موقع تواصلك الاجتماعي، وقِسْ على هذا المنوال، كل شأن مهما كان بسيطاً أو عابراً صار صاحبه ينشره على الملأ.
جميع المشاهير في العالم ساسة وفنانون وأدباء ونجوم مجتمع لديهم مواقع تواصل خاصة وملايين المتابعين.
فما حاجة هؤلاء المشاهير أو المتابعين لِوسيط بينهم.
انتفى الدور التقليدي للصحافة.
حتى الصحافة الإلكترونية لن تُعمِّر طويلاً اللهم إلا إذا أدركت أن عليها التحوُّل من صحافة خبر إلى صحافة تحليل ومعلومات، شريطةَ أن تكون تلك التحليلات والمعلومات غير متيسرة إلا من خلالها.
فما حاجة القارئ لأخبارٍ سبقت الصحف الورقية والإلكترونية في الوصول إليه.
سوف يقول مَن هم مثلي ممن لا تزال رائحة الحبر والورق تفوح من بين أناملهم «شتّان ما بين لمس الورق ولمس الزجاج البارد للأجهزة الذكية».
لكنها رؤية رومانسية بعض الشيء، لا يفيد الآن الوقوف على الأطلال ورثاء الورق، الزمن مستعجل ولا وقت للوقت، إن لم تَسِرْ معه تجاوزك وتركك حيث أنت واقفاً تندب زمنك.
هي فقط كلمة وداع، لعلها مبكرة بعض الشيء، لكن لحظتها لا محال آتية.
ثمة أجيال تنشأ الآن وتكبر من دون أن تشمَّ رائحة الحبر وتتحسَّس ملمس الورق وتسمع حفيف الصفحات، هي صفحة واحدة بصفحات كثيرة، جهاز كمبيوتر يصغر تباعاً أو هاتف محمول نُقلِّبُ فيه الصفحات الافتراضية ونكتب بحبر افتراضي.
من على أريكتك أنّى حللت أو ارتحلت تجول الدنيا «فاتحاً» العواصم والمدن، مستطلعاً ما يدور هنا وهناك بلا حاجة للتحرك من مكانك قيد أنملة.
فالأنملة صارت في حجم كوكب، بلمسة واحدة تنقلنا من قارة الى قارة، ولعلها غداً تحملنا الى أبعد من حدود الكواكب، فما هو متاحٌ اليوم لمراكز الأبحاث ووكالات الفضاء سيغدو حتماً متاحاً للجميع، «إن غداً لفضائه قريب(!)». وِفقَ المحرر العام لجريدة «البايس» أنطونيو كانيو في معرض تبريره لإيقاف طبعتها الورقية «إن عادة شراء الصحف الورقية باتت عادة قديمة».
وبالفعل فإن «البايس» لم تعد توزع أكثر من 220 ألف نسخة ورقية وهو رقم ضئيل مقارنة بعدد سكان اسبانيا الذي يتجاوز 47 مليون نسمة.
فكيف يكون الحال لو ذكرنا أرقام توزيع الصحف العربية المتحوِّلة صفحات مقابر ورقية وصفحات وفيات؟، عزاء الورق أو ما تبقَّى منه أن شاشات اليوم ما كانت لِتكون لولاه.
على صفحاته كتب العلماء معادلاتهم وأبحاثهم ونظرياتهم قبل أن يجعلوها حقائق ملموسة، وعلى الصفحات نفسها خطَّ الأدباء والشعراء سطور اشتياقهم ووجدهم وحنينهم.
ولعله، أي الورق، يكون أكثر سعادة ببقائه شجراً وارف الخضرة والظلال في عالم يتصحّر ويتمعدن ويفقد كثيراً من الخضرة وسائر الألوان (!).العالم يتغير وتتغير معه مفاهيم كثيرة، تزول وسائط وتولد وسائط جديدة.
مَن يكتفي بالرثاء والبكاء على الأطلال سوف يبقى واقفاً مكانه يَصحُّ فيه قول النوَّاسي «ما ضَرَّ لو كان جلس». أمام الصحافة الورقية أيام صعبة ومصيرية، لا بد لها من ابتكار دور جديد لا تستطيعه التكنولوجيا الحديثة.
ربما عليها_وهنا نفكِّر بصوت عالٍ_أن تغدو بمثابة كتاب يومي تتوفر فيه مادة غير متاحة في سواها.
ولعلنا جميعاً مُطالَبين بتعويد أنفسنا وأبنائنا على عدم الاستغناء عن العلاقة مع القراءة الورقية، وذلك لأسباب متعددة لا تقتصر على عدم حاجة الورق المكتوب للكهرباء والبطارية والشاحن والنت والواي فاي، بل لأن متعة القراءة الورقية لا تعادلها متعة أخرى.
دائماً نكرر، لعل في الإعادة إفادة، أن الحبر والورق يقيم علاقة مع الحواس الخمس لا فقط مع البصر واللمس.
رائحة الكتاب تشبه بالنسبة لي رائحة رغيف ساخن شهي مبارك.
ابني في التاسعة من عمره يحمل كتاباً ورقياً معه ويقرأ في باص المدرسة ذهاباً وإياباً، تلك عادة جميلة حبذا لو ينشأ أطفالنا جميعاً عليها.
نقول قولنا هذا آملين أن تتجاوز الصحافة الورقية مآزقها وعثراتها وأن تتسع صفحاتها لما يَسرُّ ويُفرِح في بلاد تتسع على صفحات واقعها مساحات الموت والخراب وتضيق فسحات العيش.
وهَنا تحدي الكتابة الحقيقي: كيف تثقبُ بإزميلِ حبرٍ جدارَ اليأس المتعاظم، وكيف تغرس وردةً وسط الركام، وتُبشِّر الصابرين على جمر انتظاراتهم بأن الصبح قريب، بل كيف تُقرِّب لهم هذا الصبح أو تبتكره.