
احمد المرشد
لم يكن الشعب البحريني على موعد فقط للاستماع لكلمة معالي الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة وزير الخارجية أمام اجتماعات الدورة الـ71 للجمعية العامة للأمم المتحدة، ولكن وبجانب الكلمة كنا على موعد للتأكيد على مواقف المملكة تجاه القضايا الإقليمية والدولية، وهي الكلمة التي أوجز فيها معالي وزير الخارجية اتجاهات الدبلوماسية البحرينية حيال تلك القضايا والتحديات التي تزداد يوما بعد يوم.
ولعل من أسباب قوة كلمة الشيخ خالد بن احمد آل خليفة أنها بدأت قوية خاصة عندما تحدث عن الوضع الداخلي للمملكة، خصوصاً تأكيده أن المواطن البحريني هو لب اهتمام حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين حفظه الله، الذي يضع مبادرة التنمية المستدامة الدولية «أهداف التنمية المستدامة لعام 2030» نصب عينيه. فالمملكة تعمل وبكل جهد وإخلاص لتحقيق هذه المبادرة ولم تتوان في واجبها لبلوغ أهدافها التي شهدت بها ووثقتها التقارير الأممية، وستواصل التزامها بذلك وفق الخطط والبرامج الوطنية الطموحة، إيمانا منها بأن تنفيذ تلك الأهداف والتفاعل معها يضمن مستقبلا زاهرا للشعب البحريني.
حسنا فعل الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة بأن نقل للعالم أجمع شعار المملكة وهو عبارة عن جملة لمليكنا المفدي «إن التنمية التي لا يكون المواطن هدفها لا فائدة منها ولا نريدها».. فماذا تعني الجملة رغم كلماتها القليلة، إنها تجسد بحق أن رفاه وسعادة واستقرار المواطن هو العماد الأساسي للتنمية في كل المجالات، وأن المملكة تسعي بحق لتحقيق الأهداف التنموية العالمية، خاصة وأن هذه الأهداف تتلاءم مع رؤية البحرين الاقتصادية الوطنية وبرنامج عمل الحكومة.. ولهذا، فإن البحرين مستمرة في نهج مسيرة التقدم والرخاء والتطور دون توقف، رغم كل التحديات السياسية والاقتصادية وكل المحاولات التي تهدف إلى إبعادها عن هذا المسار الوطني الراسخ.
من هذا المنطلق، وضع وزير الخارجية في كلمة المملكة المهمة، قادة العالم أمام جملة من الحقائق التي يجب الانتباه إليها جيدا، ولعل منها أن العالم أمام فرصة وإمكانية للتصدي والتغلب على التحديات التي تواجهه حالياً لإبقاء الأوطان والشعوب قوية ومتماسكة. وكان معالي الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة يقصد هنا أبناء المنطقة العربية لما لها من إسهامات إنسانية علي العالم وبما حققته من إنجازات حضارية.. وهنا تتعين الإشارة إلى ما ذكره وزير الخارجية بضرورة تكاتف المجتمع الدولي من أجل المساهمة وبقوة في عودة الأمن والاستقرار إلى هذه المنطقة الحيوية في العالم. ولعل إشارة الشيخ خالد آل خليفة هنا تحمل معنى مهما للغاية خصوصاً تلميحه للمنطقة: «أسهمت بفعالية في كل ما نراه ونعيشه الآن من تقدم حضاري وإنساني في كافة العلوم والميادين، وما تحقق لها ذلك إلا عندما كان يعيش في ظلها الجميع بكل أمن وأمان بعيداً عن خطوط الأعراق والمذاهب والأديان، وهو ما يجب أن نتمسك به ـ ونحن نستشرف مسارات المستقبل التي نبتغيها لدولنا وأجيالنا القادمة ـ لمواصلة هذا العطاء الحضاري الإنساني الكبير الذي نفتخر به».
لقد خلصت كلمة وزير الخارجية أمام الجمعية العامة إلى تذكير قادة العالم بحكمة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة وهي: «إن مملكة البحرين وشعبها يجسدون مبادئ الصداقة والتسامح والاحترام المتبادل والانفتاح على العالم، وكلنا فخر بتنوعنا وتعددنا، وإيماننا الراسخ بأن لكل فرد الحق في التمتع بحياة آمنة وكريمة».
ماذا يعني هذا؟..المعنى يشرح نفسه بحق، ليس لنا هنا في الداخل، وإنما لمن يعيشون بالخارج ولعلهم أقرب لنا جغرافياً وإقليمياً، وكان حري بهم أيضاً أن يكونوا أقرب لنا على المستوى الإنساني لما يربطنا بهم دينياً، وإن كان الدين قد حولوه الى وسيلة للطمع وليس للإيمان بالواحد الأحد، وكان بالإمكان أن نعيش جميعاً في منطقة يكون شعارها المحبة والسلام وتكريس القيم الإنسانية والمبادئ التي تفخر بها البحرين منذ القدم، وتتمسك بها، فهذا هو نبراسنا وقوتنا أمام المخاطر التي تستهدف أي أمة ومنجزاتها من أجل مجتمع آمن ومستقر ينعم فيه الجميع بالأمن والرخاء والازدهار.
ويحضرني هنا رواية عن صديق مصري سمعها عن مقربين من الزعيم جمال عبد الناصر قبل نكسة 1967، عندما استقبل وفداً مجرياً ولم يتحدث معهم أبداً عن إسرائيل، وركز عبد الناصر عن هدفه من تنمية بلاده وتطويرها وتحديثها.. ولم يلبث هذا الوفد المجري أن ذهب بعدها إلى تل أبيب وسألهم قادة إسرائيل آنذاك عما إذا كان عبد الناصر تحدث معهم عن إسرائيل في أي مجال من المجالات، فنفى الوفد المجري، وهنا أعرب الإسرائيليون عن خيبة أملهم، لماذا؟..لأن عبد الناصر لم يلتفت لأفعالهم وقتها وتفرغ لتحديث مصر وتنميتها، ففزعوا جداً من هذا التطور، وكان خيالهم المريض يصور لهم أن عبد الناصر يحيا وينام بالتفكير فيهم وأنهم سيؤخرون مصر عن اللحاق بالركب.. فكانت المؤامرة التي انتهت بالنكسة والحرب المشئومة. ومع فارق بسيط، وهو أننا في وضع قوي يمكننا من التصدي لكل من تسول له نفسه النيل من استقرارنا وأمننا وتحضرنا وتقدمنا سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً، فإن البحرين تسير علي نهج رؤية المملكة الاقتصادية الوطنية والتي تستهدف ما سبق وأشرنا إليه من أقوال لجلالة الملك حمد «إن التنمية التي لا يكون المواطن هدفها لا فائدة منها ولا نريدها».. أي من حق كل مواطن أن يعيش مستقرا آمنا في بلده مستفيدا بكل عناصر الرفاه والسعادة.
ربما يكون حديثنا عن النمو الداخلي قد أخذ المساحة الأكبر في التعليق على كلمة معالي الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة وزير الخارجية، ولكن المؤكد أيضا أن كلمة البحرين أمام الدورة الـ71 للجمعية العامة ركزت هي الأخرى على الوضع الداخلي بالبحرين، وإن كانت تطرقت للقضايا العربية والدولية، وكان على رأسها الأزمات العربية المتركزة في سوريا والعراق واليمن وليبيا، وكذلك قضية التطرف والإرهاب، وهنا تحديدا اتسمت الكلمة بالقوة عندما وصلت الى تعريف الإرهاب ومن هم الإرهابيون، فكان الربط في محله عندما أعلن الشيخ خالد آل خليفة موقف البحرين من «قانون جاستا» الأمريكي الذي تحدثنا عنه باستفاضة الأسبوع الماضي وبيّنا مدى تناقضه مع مبادئ القانون الدولي.
وهنا أكدت البحرين عبر كلمة وزير الخارجية أن محاربة الإرهاب لن تتحقق مطلقاً عبر سن قوانين وتشريعات تخالف ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي، كالخطوة التي أقدم عليها الكونجرس الأمريكي عندما أصدر تشريعا باسم (قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب).
ولعلي أتفق هنا مع رؤية ما ورد في كلمة البحرين، عن الجيران «غير الأسوياء»، فكان موقعهم متأخرا من اهتمامنا وبما يتشابه تماماً مع موقف الوفد المجري الذي زار مصر وإسرائيل كما أسلفنا في القصة.
سعينا نحن وكل البلدان الخليجية لبناء أفضل العلاقات مع إيران، علاقات قائمة على مبدأ حسن الجوار واحترام سيادة الدول وفق الأعراف والمبادئ الدولية. وما زلنا نأمل أن تغير إيران سياستها الخارجية بشكل شامل، وتنفتح بإيجابية على دولنا، بما يمهد الطريق لدخول المنطقة لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية. انتهت كلمة عميد دبلوماسيتنا الشيخ خالد آل خليفة، ولكن تبقى الثقة التي يوليها شعب البحرين لهذا الرجل الذي نقل حضارتنا وأوجاعنا للعالم، وكأنه يمسك بيده مشرط الجراح، خاصة عندما حلل أزماتنا العربية.
كاتب ومحلل سياسي بحريني