x

رفع الإنفاق لا تخفيضه حلّ للأزمة الاقتصادية!

مؤشر الخميس ٠٦/أكتوبر/٢٠١٦ ٠٤:٠٥ ص

دبي- كريستوفر ديمبك

شدّدت العديد من البنوك المركزية حول العالم خلال الأشهر الثلاثة الفائتة على أن السياسات النقدية ليست كافية ولا بد من دعمها بإجراءات أخرى، حيث تقتصر فائدة هذه السياسات على كونها تمنح مزيداً من الوقت للمناورة. وكان بنك إنجلترا قد أعلن في نشرته الربعية السابقة بأن المكرر النقدي (الذي يبرر تدخل البنوك المركزية) ليس له أي تأثير.

ونظراً لهذه الظروف، فإن الكرة الآن في ملعب الحكومات؛ حيث دعت الكثير من المؤسسات الدولية (ولاسيما صندوق النقد الدولي ومجموعة العشرين الكبار) في حركة لافتة إلى مزيد من الإنفاق العام بهدف دفع عجلة النمو الاقتصادي قدماً كي يعود إلى المستويات التي كان عليها قبل الأزمة. لذا لا شك بأن الإنفاق المالي سيكون على رأس أجندات المستثمرين حول العالم في هذا الربع.

فرصة لا تتكرر

تعتبر الأوضاع الراهنة مواتية جداً لرفع الإنفاق العام؛ فقد أدّت الأزمة المالية العالمية إلى تزعزع الثقة بالليبرالية الاقتصادية التي كان لها تأثير كبير على صانعي السياسات خلال العقود الثلاثة الفائتة، ولكن اليوم لم تعد هناك أيديولوجيا اقتصادية سائدة بحد ذاتها، وقد أصبح دور الوكالات التصنيفية (التي كانت تلعب دور حارس المنظومة المالية السائدة) أقل أهمية بكثير في أعين المستثمرين.

أمّا الحافز الرئيسي وراء الدعوة إلى الإنفاق العام، فهو يرتبط تاريخياً بانخفاض معدلات الاقتراض في الأسواق المالية؛ إذ إن ظروف الائتمان العالمية قد هبطت إلى أدنى مستويات لها مع تراجع متوسط أرباح السندات الحكومية العالمية (شاملة الاستحقاقات) إلى ما يقارب 0.9 %، وهو مستوى أدنى بكثير من المتوسط عن عشر سنوات، والبالغ 2.39 %. وقد أخذ هذا الوضع منحى أكثر غرابة في بعض الحالات، مثل ألمانيا التي يعاني 80 % من سوق السندات السيادية فيها من الأسعار السلبية.

الصين واليابان في الطليعة

تقف القارة الآسيوية في الطليعة على صعيد الحوافز المالية؛ إذ ارتفعت معدلات الاستثمار من قِبل الشركات الحكومية في الصين بنسبة 24 % منذ بداية العام الجاري في خطوة ترمي للتعويض عن التراجع في الاستثمار الخاص.
ويتمثّل الهدف من هذا التوجّه في الحيلولة دون تعرّض الاقتصاد لتراجع قاسٍ، فضلاً عن كونه يعكس الفائض في القدرات الصناعية والدوّامة التضخمية التي تعيشها البلاد، رغم أن هذه الدوّامة تباطأت منذ بداية الصيف كنتيجة لارتفاع أسعار السلع العالمية. وتم اتخاذ إجراءات واعدة في الآونة الأخيرة من أجل تقليص الآثار السلبية، بما يشمل منح المستثمرين الخاصين حق الاستفادة من التعليم والرعاية الصحية، وإرسال فرق تفتيش للتأكد من أن العمل على المشاريع يجري كما هو مخطط له، مع ضمان الاستثمار في البنية الأساسية للمناطق الريفية التي تعتبر بأمسّ الحاجة إلى هذا النوع من الاستثمارات. ولا شكّ أن النجاح في تطبيق هذه الإجراءات سيكون من شأنه لعب دور إيجابي للغاية في معالجة المشاكل التي يعانيها الاقتصاد.

وشهدت اليابان في أغسطس الفائت المصادقة على باقة تحفيزية بقيمة 28 تريليون ين (رغم أن الإنفاق المباشر يمثّل فقط 7.5 تريليون ين)، غير أنّه بالكاد يتوقع لها أن تعود بالتأثير ذاته، فهي لا تعتبر مميّزة للغاية أمام الباقات السابقة؛ ففي حين من المحتمل أن تؤدي إلى انتعاش مؤقت في الإنتاج الصناعي، غير أن هذا التأثير سرعان ما سيتلاشى كنتيجة للعقلية الانكماشية التي تتبعها الشركات والعائلات، علماً بأنه ليس هناك من حل بسيط لتبديل هذه الذهنية السائدة، ولم يُجدِ أي شيء نفعاً حتى الآن. ويشار إلى أن الولايات المتحدة كانت قد شهدت حالة مماثلة في ثلاثينيات القرن الفائت، ولم يكن هناك أي مخرج سوى الحرب.

أوروبا ونهاية التقشّف

لا يمثل الانكماش مثار قلق رئيسي في أوروبا (على النقيض من اليابان)، فبالرغم من وجود ضغوط تضخمية إلى حد ما، غير أن القارة لم تشهد أي تغيّر في سلوك العائلات والمؤسسات كنتيجة للتضخم الطفيف على مدى فترة طويلة من الزمن، لذا يمكن للسياسات المالية أن تعود بنتائج ملموسة في سياق كهذا.
ولم تكن أوروبا بحاجة لانتظار الضوء الأخضر من صندوق النقد الدولي كي تمضي قدماً بسياسة التحفيز المالي، لذا انطلقت خطة جانكر في أبريل 2015، وهي تسير على النحو المطلوب مع المصادقة على مشاريع بقيمة 20.4 بليون يورو (ربع هذا المبلغ يعود إلى شركات صغيرة ومتوسطة وشركات ناشئة)، مع وضع هدف عند 60 بليون يورو على مدى ثلاث سنوات من قِبل اللجنة الاستثمارية التابعة للصندوق الأوروبي للاستثمارات الاستراتيجية (EFSI)، ولو أن ذلك لا يحقق الوعود الأولية التي قطعها الصندوق على صعيد النمو.
ومن هنا، وبهدف تسريع هذه العملية، فإن أكثر من ثلث دول الاتحاد الأوروبي قد قررت مؤخراً إطلاق نوع من الحوافز المالية على مدى الأسابيع القليلة المقبلة (مثل المملكة المتحدة وهنغاريا)، أو تعتزم إطلاق هكذا حوافز. وفي هذه الأثناء لا تتمتع سوى ثلاث دول بتمويل عام قوي، وهي ألمانيا، والسويد، والنمسا.
وستشهد الشهور المقبلة إجراء انتخابات واستفتاءات في إيطاليا وإسبانيا والنمسا، وستليها فرنسا في أبريل 2017، ومن المرجح أن تفضي نتائجها إلى انتعاش الشعبوية وإضعاف الميل إلى التقشّف (أو التوحيد المالي). وحالياً لم يتم اعتماد برامج التحفيز ذات الطابع الكينيزي في أية دولة باستثناء المملكة المتحدة التي قد تميل إلى اعتماد استراتيجية للإنفاق على البنية الأساسية بهدف التغلّب على حالة انعدام اليقين السائدة في الوقت الراهن كنتيجة لتصويت البريكست.

خفض الضرائب

وفي معظم الحالات ستتألف هذه الإجراءات من خفض الضرائب المؤسسية بهدف تحفيز الاستثمار والحيلولة دون انتقال الشركات إلى أيرلندا. فقد شكلّت نتيجة البريكست كذلك حافزاً قوياً لخفض النفقات المالية على المدى القصير في الكثير من الدول، ولكن بدلاً من ذلك نرى توجهاً قوياً إلى خفض الضرائب أو منح ائتمانات ضريبية للعائلات بهدف موازنة الارتفاع الكبير الذي شهدته الأعوام القليلة الفائتة، وقد نشهد إقبالاً متزايداً على سياسة منح المساعدات المالية إلى العائلات الفقيرة (على غرار اليابان) كلما اقتربنا أكثر من تواريخ الانتخابات.

لقد أدت عودة السياسات المالية التوسعية إلى وضع حد نهائي لقاعدة الإبقاء على العجز عند 3 %. وكما يقول المثل «الوعود تلزم من يؤمن بها»، فإنّه من المتوقع لإيطاليا (التي لم ينمُ ناتجها الإجمالي المحلي -ولو بمقدار ضئيل - طيلة السنين الـ15 الفائتة) وإسبانيا والبرتغال ألا تحقق هدف خفض العجز الذي وضعوه لعامي 2016 و2017.

وعند معاينة الحالة الفرنسية، مع أخذ البرامج الاقتصادية لأهم المرشحين للانتخابات الرئاسية (من اليمين واليسار) في عين الاعتبار، فإن الانتخابات ستؤدي إلى انهيار الالتزام بتعهّد إبقاء العجز عند 3 % بغض النظر عن نتيجتها، وذلك على غرار ما حدث في مطلع الألفية الجديدة. وتجدر الإشارة إلى أن الدول الأوربية تعيش اليوم حالة «ما حكّ جلدك مثل ظفرك» نظراً لغياب أية سياسة مالية منسّقة على مستوى الاتحاد الأوروبي.

جمود أمريكي

لاحظنا أن الولايات المتحدة كانت غائبة في السطور السابقة من نقاشنا هذا حول الإنفاق العام، فليست هناك من حاجة لأي حوافز مالية في ظل الأداء الاقتصادي الأمريكي الجيّد واقتراب موعد الانتخابات الرئاسية. ولكن في حال وصول هيلاري كلينتون إلى البيت الأبيض، فإنه من المرجح لها ألّا تتردد في اعتماد رافعة مالية عند ظهور أول بوادر للتباطؤ الاقتصادي، وقد تستمد إلهامها في ذلك من باقة الحوافز التي كان قد أطلقها بيل كلينتون العام 1993، والتي أعادت الاقتصاد الأمريكي إلى مسار النمو الصحيح.

ومن الناحية الأخرى، من الصعب التكهّن بمسار الأمور في حال فاز ترامب في هذه الظروف؛ ففي حين يشتمل برنامجه الاقتصادي على نقاط إيجابية مثل خفض الضرائب المؤسسية إلى 15 %، ولكنّه بالمقابل ينطوي على مقترحات خطيرة وعديمة المعنى مثل فسخ الاتفاقيات التجارية الحالية وفرض ضرائب منهكة على الاستيراد.

وعلى العموم يمثّل هذا الربع مرّة أخرى فرصة للنقاش حول دور الدولة في الاقتصاد، ولو أن هذا النقاش ما زال يعاني للأسف من عائق منهجي يتمثّل في الرجوع إلى العقائد الأيديولوجية بدلاً من اعتماد النظرة الواقعية والعملية التي يجب أن تكون البوصلة الفعلية في هذه الشؤون.

وفي هذا الإطار، يمكننا القول بأن الإنفاق العام ليس بالأمر السيئ أو الجيّد، ولا هو بالحل السحري لكل المشاكل كما رأينا في حالة اليابان؛ إذ تعتمد فعاليته على التشخيص الاقتصادي السليم، وعلى كيفية تطبيقه. ولكن لا شك أن قرار الحكومات أخيراً بالتدخل يعتبر خطوة إيجابية، مع إدراكها بأن السياسات النقدية لا تشكل بديلاً عن السياسات المالية بعد الآن (كما كان الحال منذ 2008).

حكومات مقابل حكومات

ولطالما كان الجدال متمحوراً حول الحكومات الكبيرة مقابل الحكومات الصغيرة، غير أن هذا التضاد لا يعني أي شيء في ظل العولمة التي تجعل الدولة مضطرة لتعزيز دورها في تنظيم الشؤون المالية ومواجهة التحديات المناخية. ومن هنا، من الأجدر أن يتمحور الحديث حول الحكومات الذكية، وهي الحكومة التي تعتمد على التقنيات الحديثة لخفض التكاليف، وتتعامل بطريقة مجدية مع إشكالية تراجع مستويات الإنتاجية، وتطوّر سياسات صناعية حقيقية، وهو أمر لم نره في معظم الدول الغنية على مدى السنين الـ25 الفائتة.

وفي الختام، فإن الرسالة واضحة لجميع الحكومات باختصار: ابتعدوا عن عقليات الحماية القديمة، وأدركوا كم تبدّدون من الوقت والمال في دعم قطاعات محكومة بالانحدار والتراجع، فليست هناك أدنى فرصة لنجاح هذا النوع من السياسات.