درس «التوقيت»

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٠٥/أكتوبر/٢٠١٦ ٠٠:٠٠ ص

محمد بن سيف الرحبي
www.facebook.com/msrahby
alrahby@gmail.com

في فيلم توم هانكس الأخير «سولي» شفع للبطل مفهوم حسّاس لا ينتبه إليه أكثرنا وهو يتهم ويطلق الأحكام لاغيا السياقات التي يعيشها ويعيش فيها غيره، متلبسا ذاته فقط، فعلى الآخر أن يطابقه تماما في الوعي والرؤية والظروف لتكون النتيجة «نسخة» مما يريده.

عوّل قبطان الطائرة لتبرئته من حادثة هبوطها الإضطراري في النهر، وليس في أي مطار قريب، على مسألة التوقيت، ففارق بين أن تجلس على كرسي مريح وتنعم بهدوء البال لتقرر بالضبط ذات القرار الذي يلجأ إليه أحدهم يواجه ظروفا صعبة، تؤثر على نفسيته وقدراته، وبالتالي فإن الثواني تبدو حاسمة لتقرر إن كنت قادرا على إكمال رحلتك إلى مطار أو نهر، أو ربما هاوية، الأمر ينطبق على مشوار في رحلة جوية، أو وأنت تسير على الشارع، حيث القرار خلال ثوان قليلة، في لحظة ارتباك، قد يودي إلى مأساة.. لكن هناك من يتمدد على أريكة ناعمة يشاهد التلفزيون سيقول: لو أنه فعل كذا وانتبه إلى كذا.

أستعيد نغمة «التوقيت» حينما نتابع مباراة كرة قدم، متنعمين بجو بارد وراحتين: نفسية وجسدية، ثم ننهض غاضبين نكيل اللعنات والشتائم (يفعل البعض ذلك) على لاعب أضاع فرصة أو تسبب في ولوج هدف في مرماه، كأنما هو أقل أخلاصا منّا نحن الذين لسنا معنيين بحالته النفسية وما يعانيه من ضغوط تضاف إلى حرارة الجو والرطوبة العالية، ومسألة «التوقيت» التي يفترض أن يجدها ليفكر في ثانية أين يضع الكرة أو قدرة قدمه على الامتداد!

الهدوء الذي نكتسبه في مرحلة لاحقة من العمر يعطينا خيارات أفضل في احتساب «الوقت» على خارطة حياتنا اليومية، فالنزق «الشبابي» أحيانا يفسد حركة ضبط الوقت «المناسب» لاتخاذ القرار المناسب.

ربما، نلوم أنفسنا أحيانا على عدم اتخاذ قرار ما في فترة عابرة من حياتنا، لكن «التوقيت» لم يكن في صالح رؤيتنا كالذي عليه الآن وعينا وفكرنا، تماما كالموظف «الغاضب» من مؤسسته وهو يخرج منها متقاعدا يردد «أنفقت عمري فيها» بينما وجوده في أي مؤسسة أخرى سيؤدي أيضا إلى جريان العمر، لكن لحظة الاكتشاف/‏ الانكشاف المتأخرة فاتها «توقيت» مهم، مرجعيته أن تلك المرحلة من الزمن كانت الخيارات هكذا، ورؤيتك أنت تعاملت مع المتاح وفق ما كان عليه وعيك في تلك الفترة..

هناك المتقدم في وعيه على الآخرين نتيجة ظروف واعتبارات، وصاحب حظ أيضا، حيث هذه «الظروف والاعتبارات» تسير كما يشتهي البعض، فتغدو مسألة حسابات «التوقيت» لصالحهم، لكن أكثرنا يغيّب عوامل كثيرة كانت ضاغطة عليه في وقت ما، بما يجعله يرى نفسه قد أخطأ في تلك الحسابات، بينما أن «السياق» الزمني لم يكن مساعدا له، حيث عملية اتخاذ القرار تحتاج إلى هدوء نفسي وتحليل عميق مكتسب من خبرة الحياة لبلوغ أفضل حالاتنا لندرك بالضبط ما يتوجب علينا فعله، ذلك المحقق لطموحاتنا وأمانينا، وحتى هذه تتغير حسب «توقيت» كل مرحلة، فما كان طموحا رأيناه في لحظة ما يبدو الآن مجرد أمنية ساذجة، لم ننتبه إلى فخاخها، ربما لأن وعينا تطور، أو لأننا في وعي ما لم نر الأشياء كما يفترض.