حوار- لميس ضيف
عناوين جانبية:
* نواجه ضغطا لا يوصف في عيادات الخصوبة والسكري والضغط والسبب السمنة ونوعية الغذاء الرديئة منذ الصغر
* مشكلة العقم عالمية، ونصف المجتمعات البشرية يقل معدل الخصوبة فيها عن الحد الأدنى لمعدل الإحلال
* بعض أطباء العموم يعالجون تأخر الحمل دون تخصص فيه مما يولد مشاكل أكثر من الحلول
* بلورنا قبل 4 سنوات مشروعا لوحدة خاصة بأطفال الأنابيب، وننتظر أن يرى النور
* لولا والدتي وزوجي وأخواتي لما بلغت سدرة آمالي
* هناك تقدير لنسبة العقم ب13-15% وهي نسبة مرتفعة نسبيا وهذه هي نصائحي
حاورتها: لميس ضيف
لا يكفي للطبيب أن يكون متمرسا في مهنته متمكنا من أدواته إن لم يقترن ذلك بتفان عميق وإخلاص لخدمة المرضى. د.رحمة بنت سالم الغابشية مثال لكل ما تتمنى أن تجده في الطبيب : العلم والخبرة وحب العطاء ورقة الطبع مع المريضات والمراجعات. التمست الحاجة لمختصات في أمراض النساء والولادة فتوجهت للتخصص رغم صعوبته. وعندما لمست مشكلات المريضات على أرض الواقع اختارت أن تتخصص في الإخصاب والأمراض الهرمونية واسقاطات الحمل المتكررة لتكون إضافة حقيقية في مجالها. هي عضو في المجلس العماني للاختصاصات الطبية في تخصص النساء والولادة. وعضو هيئة التدريسية لطلبة كلية الطب. والمشرفة على تدريب المتخصصات في النساء والولادة في المستشفى السلطاني. وهي بكل فخر ضيفتنا الأولى في هذه السلسة.
•من هي د. رحمة الغابشية ؟
-امرأة عمانية طموحة ، طبيبة شغوفة بعملها، أم لأربعة أولاد في مراحل مختلفة.
• لم توجهت للطب بالذات ؟
- كنت منذ الصغر أرى كيف يكافح الأطباء في دراستهم وعملهم وكيف تمنح رؤيتهم، وإقبالهم على المريض، الشعور بالراحة والرضا فحلمت أن أكون منهم. ثم أني كنت أرى نفسي دوما في موقع غير عادي. ولم أشأ أن أكون مجرد موظفة في عمل لا أقدم فيه إضافة . ولم تستهوني قط المهن المكتبية أو الحسابية لأني لم أكن مستعدة للتعامل مع الأوراق والأدوات الصماء واؤثر على ذلك التعامل مع البشر.. فأنا شخصية تحب العلم والمعرفة -نعم- ولكني كذلك شخصية اجتماعية ويطيب لي أن أتعاطى مع الناس بشكل مباشر وأحدث فرقا – أيا كان – في حياتهم ..
•كيف تعاطت العائلة مع رغبتك؟
- وجدت تشجيعا وترحيبا منهم، وليس للمرء أن يبلغ سدرة آماله دون دعم ذويه.
•تخصصت في مجال مميز، علاج العقم وصعوبات الحمل، لم هذا المجال تحديدا؟
-عندما اجتزنا المرحلة الأولى من الدراسة وجدت أن جُل زميلاتي أتجهن لطب العائلة والأطفال ولمست صدودا عن طب النساء. ذلك لأنه تخصص معقد ودراسته طويلة وممارسته صعبة. لذا كانت طبيبات النساء والولادة - في زمن مضى – وافدات في الأغلب الأعم . وكنت ومازالت أرى أن المرأة تحتاج لأمرأة مثلها ومن المجتمع نفسه لتفهم احتياجاتها مع تقديري لزميلاتي الوافدات اللاتي يبذلن جهدهن لتقديم الأفضل للمراجعات.
• كيف تقيمين حضور المرأة العمانية في مجال الطب؟
- ممتاز ولكنها تحتاج أيضا لدعم لتستمر وتتقدم .. لاحظت من خلال عملي كمحاضرة في جامعة السلطان قابوس ومدربة في مجلس عمان للاختصاصات الطبية، وكمسئولة أيضا عن المتدربات الجدد في تخصص النساء والولادة في المستشفى السلطاني. أن المستجدات -وأتمنى أن أضع الفكرة في إطارها الصحيح- تخيم عليهن غمامة من حيرة وقلق. وينكمش حماسهن للعمل في هذا المجال الشاق . وكثيرات منهن يفكرن في ما سيناسبهن مستقبلا كزوجات وأمهات لا ما يحتاجه المجتمع من تخصصات؛ لذا ستجدين أن عدد ضئيلا منهن يتجه لتخصصات نحن في أمس الحاجة لها كالتخدير والباطنة والنساء والولادة. ولست في معرض لومهن هنا ولكني أقول ببساطة أن على المجتمع أن يدعم الطبيبة. فالمداومة لـ24 ساعة والعمل بنظام النوبات ليس سهلا على الأم والزوجة. كما أن التخصص يحتاج لـ5-6 سنوات إضافية وهي فترة عسيرة تتزامن مع تأسيس الطبيبة لأسرتها. وهناك الزمالة خارج البلاد تتطلب ترك العائلة لسنوات والانتقال لدولة أخرى .. كل تلك تحديات لا يمكن الاستهانة أو الاستخفاف بها وهي تؤدي للعزوف عن هذا التخصص بل وتراجع من اختاروه عنه أحيانا ..
علما بأنك لن تجد حوافز خاصة لتعوضك عن كل هذا ، وستعمل في الأعياد والعطلات بلا مقابل، وغالبا ما سيحصل الأطباء " الذين لا تتطلب دراستهم سنوات طويلة "على الترقية قبلك! لأنهم يبدؤون في ممارسة المهنة قبلك!
وقد تجد طبيبة النساء والولادة، وجميع التخصصات المشابهة التي تتطلب سنوات طويلة، أن زميلة على مقاعد الدراسة يتقاضى ضعف راتبه لأنه بدء في ممارسة العمل قبله وبالتالي نال الدرجات قبله. كل تلك عوامل يجب أن توضع في الحسبان، وتُدرس، وتُعالج بجدية، إن كنا نريد جيلا من الطبيبات المتمكنات في مختلف التخصصات لإحلالهن مكان الطاقات الوافدة .
• بالنسبة لك؛ كيف تعاطيت مع كل تلك التحديات؟
- لم يكن ذلك سهلا.. وأقولها بكل أمانة أنه لولا دعم والدتي -رحمها الله - التي نهضت بتربية أطفالي آنذاك، وتفهم زوجي ودعمه لما استطعت الصمود والاستمرار لذا أشدد دوما على دعم المحيط الأسري للطبيبة. من جانب آخر لا أنكر أني – رغم كل الصعوبات – أعشق مهنتي تلك ولدي عاطفة جياشة تجاهها. فإحساسك عندما تساعد أما في إنقاذ جنينها أو تحقيق حلمها بالإنجاب لا يقدر بثمن .. لا يقدر بثمن أبدا .. نظرة طفل فتح عيناه على الحياة لأول مرة وسعادة أم بطفلها مشاعر تعوضك عن كل تعب وشقاء. وتدفعك لحب نفسك وحب العالم أيضا .. إن التذمر من صعوبات المهنة لا يعني أنها ليست مهنة جيدة.. بالنسبة لي هي أروع مهنة في العالم ولو عاد بي الزمن لما أخترت سواها.
• من خلال خبرتك الممتدة: ما هي إجمالا المشكلات الصحية التي تعاني منها النساء في سلطنة عمان؟
- غياب الوعي في تفاصيل دقيقة متعلقة بصحتهم. في كثير من المجتمعات تحرص النساء على فحوصات عنق الرحم ويعرفون أهميتها ولكن هذا الفحص لا يبدو ذو أهمية عند كثير من نساءنا و80% من حالات سرطانات عنق الرحم كان من الممكن احتواءها لو شخصت مبكرا وما ينطبق على الرحم ينطبق على الثدي ولا نجد توعية كافية للنساء من هذه الناحية. ناهيك عن أن نسبة السمنة بين المراهقات مقلقة بحق. ومع البدانة تأتي بالطبع حزمة من المشاكل أولها مع السكري والكريسترول وتتفاقم تلك المشاكل مع الحمل والولادة وتستمر معها لآخر العمل مسببة لها تعقيدات لا تنتهي.
• هل تعتبر السمنة أحد مسببات صعوبات الحمل ؟
- بالطبع وهي تأتي في المقام الأول في عديد من الحالات. هناك حاجة لمحاربة البدانة بين النساء . ويجب توعية المراهقات في المدارس عن خطورة الأكل غير الصحي وتثقيفهم بشأن الدورة الشهرية أيضا. لقد مرت بي حالات لفتيات ينزفن لشهر كامل ولا يعرفن أن هذا غير طبيعي. علماً بأن زيادة أيام الدورة وزيادة التشعر كلها مشاكل يمكن احتواءها عن طريقة التوعية وتقديم أسلوب حياة بديل وبعض العلاجات. أننا في المستشفى السلطاني نواجه ضغطا لا يوصف في عيادات الخصوبة والسكري والضغط والسبب السمنة ونوعية الغاء الرديئة منذ الصغر.
•هل يصح القول أن مستوى الخصوبة تدنى في مجتمعاتنا ؟
-لا شك هناك مشكلة . ولكننا نعتمد فيها على الملاحظة بغياب احصائيات معتمدة من مركز متخصص في الخصوبة . لكن الحالات التي تعاني من العقم وصعوبات الحمل في تزايد. عالميا هناك مشكلة – لا في دولنا وحدها- وهناك دراسة تؤكد أن نصف المجتمعات البشرية -تقريباً- يقل معدل خصوبة فيها من الحد الأدنى لمعدل الإحلال. إلى درجة أن مجتمعات هذه الدول تشهد انكماشاً سكانياً، وهناك تقدير لنسبة العقم ب13-15% وهي نسبة مرتفعة نسبيا ..
•هناك من يقول أن الخدمات التي تقدم لمن يعانون من العقم وصعوبات الحمل محدودة في السلطنة.. هل تتفقين مع هذا الرأي أم لا ؟
-أوافق للأسف. ابتداءً لا يوجد كادر طبي كاف لتغطية احتياجات المجتمع العماني في هذا التخصص .. وعدد المتخصصين المحدود قد دفع البعض للجوء لغير المتخصصين وهنا بدأت المشكلة .. فبعض أطباء النساء والولادة يعالجون تأخر الحمل بشكل يفتقر للدقة أحيانا ويولد مشاكل أكثر من أن يحلها.
•هل من نصائح توجهينها لمن يعانين من تأخر الإنجاب ؟
أولا: بالنسبة للنساء اللواتي لم يبلغن العقد الثالث من عمرهن بعد انصحهن بأن لا تقل الفترة بين الحملين عن 3 سنوات. لا لينال الطفل حاجته من الرعاية من أمه فحسب بل لتستعيد الأم عافيتها الفسيولوجية والجسدية كما أن الولادات المتلاحقة تؤدي لتراكم وزن يصعب التخلص منه .
ثانيا –على المرأة التي تعاني من أي مرض من الأمراض المزمنة كالسكري أو أمراض الغده الدرقيه ومتلازمة تكيس المبايض و بطانة الرحم المهاجره وغيرها) عليها أن تلجأ للفحص والمعاينة من الطبيبة المختصة قبل أو فور زواجها.
•وماذا عن النساء في العقد الثالث من العمر ؟
- عليهن تقفي النصيحة الطبية بعد مرور 6 أشهر على الزواج دون حمل. فعلميا نسبة الخصوبة تقل بعد عمر الـ35 عاما وبالتالي فإن بدأ علاجات الحمل مبكرا فكرة سديدة ولها عظيم الفائدة في نجاح االحمل.
علماً بأن عدد علاجات الحمل لا يجوز تكرارها أكثر من 6 إلى 9 مرات خلال فترة الحياة لأضرارها المثبتة علميا في تكون الخلايا الغير طبيعية في المبايض. ومن المهم هنا اختيار المركز والأطباء المتخصصين في علاجات الحمل وعدم اللجوء لغيرهم ومن حق المريضة أن تسأل المعالج عن الشهادة العلمية التي يحملها .
كما وننصح من بلغن الأربعين باللجوء لتقنية أطفال الأنابيب لأن العلاجات العادية تحمل نسب نجاح منخفضة جدا مقارنة بها. والكلام ذاته نوجهه لمن لم يبلغن الأربعين ولكنهن حاولن الحمل لـ3-5 سنوات دون جدوى .
•المتعارف عليه أن عمليات أطفال الأنابيب أنجح الطرق اليوم لحل مشاكل الإنجاب.. فلم لا تقدم المستشفيات الحكومية هذه الخدمة لليوم؟
- لا أملك جوابا للأمانة.. هناك كادر متكامل مؤهل لإدارة هذه العمليات أنفقت وزارة الصحة الكثير لتأهيله وتدريبه، ولكنه معطل حاليا.
•هل هناك نية، مشروع، دراسة أو خطة لتقديم تلك الخدمة للمواطنين لنبشرهم بها ؟
-النية موجودة لا شك. وقبل 4 سنوات بلورنا مشروعا لإنشاء وحدة خاصة بأطفال الأنابيب وقد كنت واحدة من المشاركين في بلورة السياسات والقوانين المتعلقة بالوحدة وأنجزنا 90% من المتطلبات وتم رسم الخرائط واختيار المعدات ولكني لا أملك إجابة لتأخر المشروع في الظهور للنور.
•إجمالا : ما هي نصائحك للنساء العمانيات فيما يتعلق بصحتهن؟
-أولا عليهن البدء من عمر المراهقة، وأن يتيقظوا لانتظام الدورة وغزارتها وأية مؤشرات خلل فيها. كما أن التغذية مهمة جدا المحافظة على الوزن وكذلك الرياضة.. وعليهن الحرص على فحص الثدي وعنق الرحم ما أن يتقدمن في العمر.. والتيقظ للسكري والدهون .. كما أن العلاجات الهرمونية بعد سن اليأس ليست ترفا كما يخال البعض ولكنها حاجة طبيبة .. ولمن تنقطع عنهن الدورة في عمر الأربعين أقول أن عليها الانتباه لعظامها وتوقي هشاشتها بالغذاء والمكملات الغذائية . بالمفاد أقول: إن الصحة أمر لا يعوض ، وإن لم تعتن المرأة بنفسها فلن يعتني بها أحد ..
•ماذا ينقص العاملات في القطاع الصحي، لا الطبيبات فحسب، بل والممرضات والاخصائيات أيضا؟
-أنهن بحاجة لمزيد من التشجيع والدعم . حاليا لا يوجد فرق واضح في المكافآت والمميزات بين الممرضة العادية التي ينتهي عملها ظهرا لتمارس حياتها العادية بكل أريحية بعدها، وبين القابلة التي تعمل في ظروف صعبة ونوبات مرهقة . وما ينطبق على الطبيبات من تحديات ينسحب على الطواقم الطبية التي تعمل في الأقسام التي تعمل على مدار الساعة. يجب أن يكون هناك تقدير لتلك الفئة كي لا تتحول تلك التخصصات لتخصصات منفره للنساء. كما وآمل أن يأتي اليوم ويطبق نظام العمل الجزئي في المهن الطبية. بحيث تستطيع المرأة أختيار العمل لثمان ساعات أو لخمس – بأجر مختلف بالتأكيد – كما يحدث في الدول المتقدمة وقرار كهذا سيغير من خارطة العمل النسوي في الطب وسيقلل التسرب الذي نراه من المهنة فالنساء بحاجة، سيما في السنوات الأولى من عمر الزواج ، لساعات للعناية بالأطفال قد تتصادم وعملها الشاق في المستشفى.
أننا بحاجة للكوادر النسائية الوطنية في مجال الطب، وما يُلصق بهن من كسل وعدم الرغبة والجدية في العمل أمر غير واقعي ، كل ما في الأمر أن الطبيبة والممرضة والفنية نساء لديهن واجبات أسرية على المعنين أخذها في الحسبان، وتهيئة الأرضية المناسبة لهن لينهضن بكفاءة بها .
•هل تنصحين بناتك بالعمل في هذا المجال؟
(تبتسم وتقول) لن أمنعهن ولن أشجعهن. لقد لامسن تحديات المهنة وجمالها من خلالي ولديهن الخيار في سلك الدرب ذاته أم لا ..
•كامرأة عمانية ناجحة مميزة في مجالها .. هل من نصيحة توجهينها للشابات الطموحات الراغبات في تسلق سلم النجاح؟
-على المرأة أن تكون واقعية وصادقة مع نفسها، ليس لها أن تعمل كل شيء دون مساعدة ، ولن تحقق النجاح الذي تصبو إليه دون عائلة تدعمها وتشد من أزرها . شخصيا لم أكن لأحقق شيئا لولا أمي وزوجي وأخواتي اللواتي كن يعملن على سد غيابي إن مرض أحد الأبناء أو كانت لديه فعالية مدرسية. لم أكن لأدرس في الخارج لولا منطلق التفهم من زوجي والدعم من أسرتي . لينجح المرء في هذه الحياة يحتاج لبيئة حاضنة لمواهبه وقدراته وعليه أن يطلب المساعدة ويعتمد عليها ليحقق ما يصبو إليه.