عقدة الـ" boss "

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ١٥/أغسطس/٢٠١٦ ١٤:٢٧ م
عقدة الـ" boss "

لميس ضيف
يُقال أن عسكريا رفيعا في دولة عربية تقاعد فضاقت عليه جدران منزله فقرر وضع ثلاجة ماء سبيل ببابه. فإن جاء عابر ليشرب من الصنبور الأيمن قال له بحزم "لا .. أشرب من الأيسر" وإن توجه عابر آخر للصنبور الأيسر مباشرة نهاه وأمره بالتوجه للأيمن ! وهكذا كان يقضي نهاره مفرغا طاقة التسلط عنده على العابرين. ولدينا في الموروث الشعبي مثل ساخر يصف حال هذا العقيد وأمثاله إذ يقول "يبي الأمارة لو على حماره" أي أنه يشتهي إطلاق الأوامر ولو على دابته!!
عقدة الحياة كـ " Boss " مشكلة محفوفة بالمخاطر في مجتمعاتنا وهي متغلغلة في الشخصية الشرقية بقالبها البدائي. لذا لا تسمع عن وزير عربي "يستقيل" أو رجل أعمال كبير "يترجل" إلا أن أجبرته ظروف خارقة على ذلك أو أعُفى من منصبه. ولا تسلم الأسرة من سياط تلك العقدة. فالرجل في مجتمعاتنا – في الغالب الأعم – يهوى إطلاق الأوامر في منزله ويمقت – في الوقت عينه - الانصياع لها أو حتى سماعها. وكل ذلك بالطبع جزء من "بروفايل" الرجولة المبتور الذي مُرّر له عبر الأجيال التي سبقته وينوي – هو – تمريره لأولاده الذكور من بعده !
ولن نضرب هنا لتعريف الصورة بضدها مثالا بالمجتمعات الغربية كما نفعل دوماً، ففي ذلك إجحاف بحق حضارات أخرى تملك العراقة والفكر وإن لم تكن تملك الثروة التي تحتاجها الأمم لتوفير مظاهر المدنية. والهند مثلل جيد على مجتمعات لا ترى الرجولة في إطلاق الأوامر ولا تربط بين المكانة وبين الاستبداد في الرأي.
تقول إحداهن وهي مريضة أرهقتها تجارب أطباء بلدها على قلبها فسافرت لطلب الشفاء في الهند "هناك رأيت ما لم أكن أراه في المستشفى عندنا، استشاري كبير ومرموق ينادي أطباء لا يضاهونه خبرة ومعرفة ليسترشد برأيهم وملاحظاتهم في الحالة وفي الأدوية وغيرها! بينما يستشيط الطبيب المبتدئ في دولنا إن شككت برأيه أو طلبت منه الاستعانة برأي طبي آخر".
ان الثقة بالنفس والحكمة والتصالح مع الحياة تجعل المرء متواضعا، وكلما تعاظم الثقل المعرفي لشخص تضاءلت نظرته لنفسه مقابل هذا الكون الكبير والمعقد، وكلما أبحر الإنسان في العلم كلما أدرك أنه لم يؤت من العلم شيئا!
لذا لا تنظروا لهؤلاء المستبدين مصدري الأوامر على انهم أشخاص "أقوياء" فالحقيقة أنهم مجرد أناس يعانون من "الخواء" وما أدراكم ما هو تأثير الخواء على الإنسان!